في كل جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، يبرز اسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوصفه أحد أبرز مهندسي النهج التفاوضي لطهران. ويُعرف هذا النهج إعلاميًا باسم “أسلوب البازار”، في إشارة إلى طريقة المساومة التقليدية في الأسواق الشرقية، حيث لا تُحسم الصفقة سريعًا، بل تمر بمراحل شد وجذب قبل الوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين.
يعتمد هذا الأسلوب على مبدأ أساسي هو الصبر الاستراتيجي. فبدل تقديم تنازلات مباشرة أو إعلان مواقف نهائية منذ البداية، يفضّل عراقجي إدارة التفاوض عبر مراحل متدرجة، تبدأ بسقف مطالب مرتفع، ثم تنخفض تدريجيًا وفق مسار الحوار. يشبه ذلك إلى حد بعيد آلية التفاوض في الأسواق الشعبية، حيث يكون السعر الأولي مجرد نقطة انطلاق لا أكثر.
في سياق المحادثات النووية، يظهر “أسلوب البازار” في عدة مظاهر واضحة. أولها المرونة المحسوبة، إذ يحرص الوفد الإيراني على ترك مساحة للمراجعة والتعديل، دون إغلاق الباب أمام أي مقترح. وثانيها تجزئة الملفات المعقدة، بحيث لا يُناقش الاتفاق كحزمة واحدة، بل تُفصل عناصره مثل مستويات التخصيب، وآليات التفتيش، ورفع العقوبات، ما يمنح طهران قدرة أكبر على المناورة.
كما يقوم هذا الأسلوب على إدارة الوقت كورقة ضغط. فإطالة أمد التفاوض قد تُستخدم لامتصاص الضغوط السياسية أو الاقتصادية، أو لانتظار تغيرات في موازين القوى الدولية. وفي المقابل، تحرص طهران على إظهار استعدادها للحوار لتجنب تحميلها مسؤولية تعثر المفاوضات أمام المجتمع الدولي.
ويرى مراقبون أن خلفية عراقجي الدبلوماسية الطويلة، ومشاركته في مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، منحته خبرة واسعة في التعامل مع نظرائه الغربيين، خصوصًا في ظل التباينات العميقة بين طهران وواشنطن. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمانات صارمة تحول دون تطوير سلاح نووي، تركز إيران على رفع العقوبات الاقتصادية وضمان عدم تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي.
غير أن “أسلوب البازار” لا يخلو من المخاطر؛ إذ قد يُفسَّر أحيانًا على أنه مراوغة أو إطالة متعمدة، ما قد يدفع الطرف الآخر إلى التشدد. كما أن عامل الوقت ليس دائمًا في صالح طهران، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية والتوترات الإقليمية.
في المحصلة، يمثل هذا النهج مزيجًا من المرونة والمساومة التدريجية وإدارة النفس الطويل، وهو يعكس رؤية إيرانية تعتبر أن أفضل الصفقات لا تُبرم بسرعة، بل تُبنى عبر جولات متتالية من الأخذ والرد حتى الوصول إلى نقطة توازن تحفظ المصالح الأساسية لكل طرف.