قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

طارق فهمي: فعاليات غزة تحرك محسوب بالقوة الناعمة.. والفن المصري سلاح في معركة الوعي وإرباك الاحتلال

اللجنه المصريه تنظم حفلات ترفيهيه
اللجنه المصريه تنظم حفلات ترفيهيه

في قلب قطاع غزة، حيث تختلط رائحة البارود بصوت الأذان، وحيث تتجاور الدموع مع الابتسامات العنيدة، لم يكن المشهد هذه المرة سياسيًا أو عسكريًا، بل إنسانيًا خالصًا. أضواء بسيطة، وجوه مضيئة بالفرح، وأصوات أطفال تتعالى بالضحك. هناك، نظّمت اللجنة المصرية لإغاثة غزة حفلات ترفيهية حملت في طياتها رسالة تقدير وامتنان للدراما المصرية، التي اختارت أن تنحاز إلى الحقيقة، وأن تروي معاناة الفلسطينيين بصدق، بعيدًا عن التزييف أو التجميل.

لم تكن الاحتفالات مجرد فقرات فنية عابرة، بل لحظة اعتراف متبادل بين شعبين جمعتهما القضية والوجدان. أهل غزة أرادوا أن يقولوا.. “شكرًا لأنكم نقلتم حكايتنا”. والفن المصري، بدوره، بدا وكأنه يردّ: “صوتكم أمانة في أعناقنا”.

حفلات في زمن الجراح.. الفرح مقاومة

الحضور كان كثيفًا، والمشهد استثنائيًا. عائلات كاملة شاركت في الفعاليات، أطفال يلوّحون بأيديهم، نساء يزغردن، وشباب يلتقطون الصور في لحظات بدت وكأنها انتصار صغير على الحزن. في مدينة اعتادت على أصوات الطائرات والقصف، جاء صوت الموسيقى ليعلن أن الحياة لا تزال ممكنة.

اللجنة المصرية لإغاثة غزة لم تكتفِ بتقديم الدعم الإنساني، بل اختارت أن تمنح الناس جرعة من الفرح، تقديرًا لصمودهم، واحتفاءً بالفن الذي نقل معاناتهم إلى العالم. المشاهد عكست حالة امتنان حقيقية للدراما المصرية التي لم تتعامل مع غزة كعنوان سياسي، بل كحكاية إنسانية تستحق أن تُروى.

وفي خضم الاحتفالات، صدحت الأصوات أيضًا في فعالية للمديح النبوي، مساء الخميس، حيث تعالت الصلاة والسلام على النبي الكريم، في أجواء غمرتها المودة والمحبة، وبدا واضحًا أن الفرح هنا ليس ترفًا، بل فعل مقاومة معنوي.

«صحاب الأرض».. دراما تهز الرواية الأخرى

كان مسلسل صحاب الأرض أحد أبرز الأعمال التي أثارت هذا الامتنان الفلسطيني. العمل الذي أنتجته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية لم يرفع شعارات صاخبة، ولم يسقط في فخ الخطابة، بل اختار الطريق الأصعب.. أن يحكي القصة كما هي.

المسلسل قدّم صورة إنسانية مكثفة لمعاناة الفلسطينيين، كاشفًا تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف، والبحث الدائم عن الأمان في عالم تحكمه الطائرات والقنابل. لم يكن مجرد قصة حب وُلدت في غزة، كما توقعت بعض الصحف الإسرائيلية، بل شهادة درامية على مرحلة دامية.

النجاح الساحق الذي حققه العمل تجاوز حدود مصر، وامتد صداه إلى وسائل إعلام عالمية، بما فيها إعلام الاحتلال نفسه. الهجوم الإسرائيلي لم يتأخر، بل بدأ حتى قبل عرض أولى الحلقات، في إشارة واضحة إلى حجم القلق من تأثيره.

هجوم رسمي.. وارتباك أمام الكاميرا

بعد عرض سبع حلقات من المسلسل، خرجت إيلا واوية، المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، في مقطع فيديو عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، مهاجمة العمل بشدة. قالت إن الفن رسالة “عندما يكون نظيفًا”، أما غير ذلك فهو “غسيل للعقول وتزييف للحقائق”، على حد تعبيرها.

واتهمت المسلسل بأنه يقلب “القاتل ضحية والضحية متهمًا”، معتبرة أنه تزوير للتاريخ وتشويه متعمد للحقيقة. كلماتها عكست انزعاجًا واضحًا، وكأن الدراما نجحت في لمس منطقة حساسة في الرواية التي يسعى الاحتلال لترسيخها.

الرد لم يتأخر. المخرج بيتر ميمي نشر صورة لإحدى ممثلات العمل التي تشبه المتحدثة الإسرائيلية، وعلّق ساخرًا: “تزييف حقايق إيه؟ ده الفيديوهات موجودة.. والنصر لكل مظلوم”. كان ردًا فنيًا بامتياز، يجمع بين السخرية والثقة في صدق الرواية.

أبطال على الشاشة.. ووجع حقيقي خلف الكاميرا

قاد بطولة المسلسل النجمة منة شلبي، بمرافقة إياد نصار وعصام السقا، إلى جانب نخبة من الفنانين. الأداء جاء مشحونًا بصدق إنساني جعل المشاهد يعيش تفاصيل الألم والخوف والأمل.

الفلسطينيون أنفسهم أشادوا بمدى مصداقية العمل، معتبرين أنه نقل جزءًا حقيقيًا من مأساتهم إلى الشاشة، دون مبالغة أو استغلال. وربما لهذا السبب تحديدًا، أثار غضب الاحتلال، الذي رأى فيه تهديدًا للرواية التي يسعى لتكريسها.

الفن المصري والقضية الفلسطينية.. تاريخ من الانحياز للحق

لم يكن “صحاب الأرض” أول عمل يتناول القضية الفلسطينية. فالفن المصري، باعتباره أحد أبرز أدوات القوة الناعمة العربية، ظل حاضرًا في هذه المعركة منذ عقود.

في رمضان 2024، قُدم مسلسل مليحة، الذي تناول معاناة أسرة فلسطينية على الحدود، بطولة دياب، وسلط الضوء على تفاصيل إنسانية مؤثرة.

وقبل ذلك بسنوات، جاء فيلم السفارة في العمارة بطولة عادل إمام ليعكس المزاج الشعبي المصري الرافض للاحتلال. كما قدّمت فاتن حمامة في أفلام مثل الله معنا صورة مبكرة للانحياز المصري لفلسطين.

ولا يمكن إغفال فيلم ناجي العلي، الذي اعتبرته إسرائيل من أسوأ الأعمال في تاريخ الفن المصري من وجهة نظرها، لما حمله من نقد لاذع وجرأة سياسية.

هذا الامتداد التاريخي يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تكن يومًا ملفًا عابرًا في الدراما المصرية، بل جزءًا أصيلًا من وجدانها.
 

سلاح فني..  في مواجهة الاحتلال

في السياق ذاته، اكد الكاتب والناقد الفني محمد شوقي، في حديثه عن التأثير الواسع الذي أحدثه مسلسل صحاب الأرض، معتبرًا أنه تحول إلى «سلاح فني» في مواجهة الاحتلال، وأداة توثيق حقيقية لما جرى ويجري في غزة منذ أكتوبر 2023.

«صحاب الأرض».. صدى عالمي وسلاح في وجه الاحتلال

يرى شوقي أن النجاح الذي حققه المسلسل لم يكن عاديًا، بل تجاوز حدود المشاهدة المحلية إلى صدى واسع في وسائل الإعلام العالمية، بما في ذلك إعلام الاحتلال نفسه. ويقول إن العمل بدا وكأنه سلاح فني موجه في وجه الكيان الصهيوني، ليس بالصوت المرتفع أو الشعارات، بل بسرد إنساني دقيق يكشف الحقيقة ويضعها أمام العالم.

وأوضح أن الفن أحيانًا ينجح فيما تعجز عنه الحروب أو المؤتمرات أو الاتفاقيات، لأنه يخاطب الإنسان في وجدانه مباشرة، ويعيد صياغة الحدث في صورة تبقى راسخة في الذاكرة. فبينما تمر الأخبار سريعًا عبر الشاشات والمنصات، تبقى الدراما شاهدة وموثقة، قابلة للاستعادة بعد سنوات، تمامًا كما حدث مع أفلام خلدت مراحل تاريخية سابقة.

الفن بين التوثيق والخلود

أكد شوقي أن ما يميز الدراما والسينما هو قدرتها على الخلود، إذ تتحول إلى وثيقة فنية تؤرخ للحدث. فالأخبار، مهما كانت مؤثرة، تظل آنية وعابرة، أما العمل الدرامي فيمنح الحدث بعدًا إنسانيًا متكاملًا، ويعيد تقديمه بصورة تجعل المشاهد يعيش تفاصيله لحظة بلحظة.

وأشار إلى أن ما حدث في أكتوبر 2023 وما تلاه من جرائم بحق المدنيين في غزة، كان يُعرض يوميًا عبر وسائل الإعلام المختلفة، لكن تجسيده دراميًا أضفى عليه قوة إضافية، لأن المشاهد لم يعد متلقيًا للخبر فقط، بل شاهدًا على القصة بكل أبعادها الإنسانية.

بيتر ميمي.. واقعية التفاصيل وعبقرية الاختيار

وأشاد شوقي بالمخرج بيتر ميمي، مؤكدًا أنه استطاع أن ينقل المشاهد إلى قلب الحدث، من خلال تفاصيل دقيقة في الديكور، وبناء المشاهد، واختيار الممثلين. ولفت إلى أن ميمي، منذ أعماله السابقة مثل الاختيار، أثبت قدرته على تقديم أعمال توثيقية بطابع درامي مؤثر.

وأوضح أن اختيار الممثلين كان بالغ الدقة، حتى في الشخصيات التي جسدت نماذج من الإعلام الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن التشابه في الشكل والأداء أحدث حالة من الارتباك لدى إعلام الاحتلال، وهو ما اعتبره نجاحًا في إيصال الرسالة الفنية.

الحفلات الترفيهية.. الفن كجسر تضامن

ولم يغفل شوقي أهمية الفعاليات الترفيهية التي تُنظم دعمًا لأهالي غزة، مؤكدًا أن الترفيه ليس أمرًا ثانويًا، بل عنصر أساسي في رفع الروح المعنوية وشحذ الهمم. وقال إن الفن عبر تاريخه لعب أدوارًا متعددة؛ ترفيهية، تثقيفية، توعوية، وإرشادية، لكنه اليوم يضيف إلى ذلك دورًا توثيقيًا مباشرًا لجرائم الاحتلال.

وأضاف أن تنظيم حفلات لرفع الروح المعنوية يبعث برسالة واضحة: «نحن معكم.. لسنا بعيدين عنكم»، معتبرًا أن الشعور بالتضامن الحقيقي يمنح الشعب الفلسطيني قوة إضافية في مواجهة المحن.

مصر والقضية الفلسطينية.. موقف تاريخي ثابت

وشدد شوقي على أن دعم مصر للقضية الفلسطينية ليس موقفًا عابرًا أو طارئًا، بل هو امتداد لتاريخ طويل منذ نكبة 1948 وحتى اليوم. وأكد أن اختلاف العصور والأنظمة لم يغير من ثبات الموقف المصري تجاه فلسطين، التي ظلت على حد وصفه القضية الأولى في وجدان الدولة والشعب.

وأشار إلى أن هذا الدعم لم يكن سياسيًا فقط، بل ثقافيًا وفنيًا أيضًا، حيث لعبت الدراما والسينما المصرية دورًا مهمًا في إبقاء القضية حاضرة في الوعي العربي.

 

تحرك يتجاوز الترفيه.. رؤية سياسية أوسع

من جانبه، يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن ما قامت به اللجنة المصرية ليس مجرد احتفال أو نشاط فني، بل خطوة أولى ضمن خطة أوسع لتأكيد الحضور المصري سياسيًا وثقافيًا في المشهد الفلسطيني والإقليمي.

البداية كانت درامية… والخطة مستمرة

أوضح فهمي أن ما شهده الجميع من فعاليات مرتبطة بالدراما ليس سوى البداية، مشيرًا إلى أن هناك ترتيبات لأنشطة أخرى خلال الشهر الجاري، قد تشمل مباريات كرة قدم، ومنتديات ثقافية، وفعاليات مجتمعية متنوعة.

وأكد أن اختيار الدراما كنقطة انطلاق لم يكن مصادفة، بل جاء في توقيت محسوب، خاصة مع نسب المشاهدة المرتفعة خلال موسم رمضان، ما يمنح الرسالة المصرية انتشارًا وتأثيرًا أكبر. واعتبر أن البدء بالدراما يعكس فهمًا عميقًا لأهمية القوة الناعمة في تشكيل الرأي العام.

«صحاب الأرض».. رسالة سياسية بثوب فني

وأشار فهمي إلى أهمية مسلسل صحاب الأرض، معتبرًا أنه يمثل نموذجًا واضحًا لتوظيف الدراما في خدمة أهداف أوسع من مجرد السرد الفني. فالمسلسل بحسب وصفه أزعج الإسرائيليين ليس فقط بسبب مضمونه، ولكن لأنه أعاد طرح الرواية من زاوية إنسانية توثق ما جرى على الأرض.

وأوضح أن الرسالة هنا مزدوجة؛ دعم مباشر لأبناء غزة معنويًا، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها: «إذا عدتم عدنا»، في إشارة إلى أن مصر تمتلك أدوات متعددة للتحرك، ليس عسكريًا فقط، بل عبر الدبلوماسية الناعمة والإعلام والفن.

ملء الفراغ… وتأكيد الحضور المصري

وشدد فهمي على أن القضية لا تتعلق فقط بإسعاد سكان غزة أو تقديم ترفيه لهم، بل تتجاوز ذلك إلى «ملء فراغ» في الساحة الإقليمية. فمصر كما يرى تسعى لتأكيد حضورها المستمر، وإبراز دعمها الثابت للشعب الفلسطيني، مستخدمة أقوى أدواتها الناعمة، وفي مقدمتها الدراما المصرية التي تتمتع بحضور عربي وإقليمي واسع.

وأضاف أن ما قامت به اللجنة المصرية عمل غير مسبوق، وينم عن رؤية ثاقبة في كيفية استثمار الفن والثقافة كوسائل تأثير سياسي غير مباشر، قادرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور العربي، بل والإقليمي.

تحرك يتجاوز غزة إلى الإقليم

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن التحرك المصري لا يقتصر على غزة فقط، حتى وإن كانت هي الساحة الأوضح حاليًا، بل يمتد إلى دوائر أوسع على مستوى الإقليم. فهناك أفكار أخرى يجري الإعداد لها، بما يعكس استراتيجية متكاملة تقوم على توظيف كل أوراق القوة الناعمة المتاحة.

وأوضح أن مصر تتحرك في عدة مسارات متوازية منها الدعم معنوي للفلسطينيين، توثيق درامي للأحداث، ورسائل سياسية موجهة إلى أطراف مختلفة في المنطقة، في إطار رؤية شاملة تعزز من الدور المصري التقليدي في القضية الفلسطينية.

 

ما جرى في غزة من حفلات وفعاليات ليس مجرد لحظة فرح عابرة، بل رسالة عميقة المعنى. في زمن التحولات الكبرى، لا يبقى الصراع حبيس الميدان، بل يمتد إلى الوعي والذاكرة والرواية.

الدراما المصرية، بما قدمته من أعمال صادقة، أثبتت أن الفن يمكن أن يكون جسرًا بين الشعوب، وسلاحًا ناعمًا يهز الروايات الزائفة، وذاكرة تحفظ الألم والصمود معًا. وأهل غزة، باحتفائهم بهذا الفن، أكدوا أن الكلمة الصادقة تصل، وأن الصورة حين تنحاز للحق تصبح مقاومة.