واصل مجمع البحوث الإسلامية، اليوم، فعاليَّات الأسبوع الدعوي التاسع عشر، الذي تعقده اللجنة العُليا لشئون الدَّعوة في جامعة الأزهر الشريف تحت عنوان: (انتصارات العاشر من رمضان واستشراف المستقبل)، برعاية الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف د. محمد الضويني، وكيل الأزهر، ود. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
البحوث الإسلامية يواصل فعاليَّات الأسبوع الدعوي الـ19 بجامعة الأزهر
وشهدت كليَّة اللغات والترجمة ثالث فعاليات الأسبوع الدعوي بندوة تحت عنوان: (الوعي بمخططات الصِّهْيَونيَّة العالميَّة ودور الشباب في تفنيدها)، بحضور د. عبد الفتاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلاميَّة، ود. خالد عباس، عميد الكليَّة، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدَّعوة، ود. محمد ورداني، أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر، والشيخ يوسف المنسي، عضو الأمانة العُليا للدعوة، إلى جانب نخبة من أعضاء هيئة التدريس، والباحثين والطلاب.
وفي كلمته أكَّد د. عبد الفتاح العواري أنَّ الأسبوع الدعوي يمثل فرصة مهمة للوجود بين طلاب الجامعات والتحاور المباشر معهم حول القضايا الفكريَّة والوطنيَّة التي تشغلهم؛ بما يسهم في تحصين وعيهم وبناء قدرتهم على التمييز بين الحقائق والشبهات، كما أن انعقاد الفعاليات في كليَّة اللغات والترجمة يحمل دلالة خاصة؛ نظرًا لما يضطلع به طلابها من دور محوري في التواصل مع العالم الخارجي، بما يجعلهم سفراء للفكر الأزهري المعتدل، وترجمة حية لرسالته إلى غير الناطقين بالعربية.
وأوضح الدكتور العواري أنَّ مخططات الصِّهْيَونيَّة ليست وليدة اللحظة؛ بل لها جذور تاريخية تعود إلى عصر النبي ﷺ، حين تآمر بعض اليهود عليه رغم إقراره مبدأ التعايش في وثيقة (المدينة) التي نظَّمت العَلاقة بين مكونات المجتمع، وأقرت حرية الاعتقاد، غير أن بعضهم قابل ذلك بالغدر ونقض العهود، وقد أشار القرآن الكريم إلى مواقفهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، في دلالة على انحيازهم للباطل رغم علمهم بالحق.
وبيَّن عضو مجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ صور المؤامرات في العصر الحديث تغيرت أدواتها ووسائلها، فبعد أن كانت المواجهة عسكرية مباشرة، أصبحت اليوم حربًا فكرية وإعلامية تستهدف العقول قبل الحدود، وتركز بصورة خاصة على فئة الشباب بوصفهم عماد الأمَّة، وهذه المخططات تعتمد على بث الشبهات والطعن في ثوابت الدين والتاريخ، مستعينة بأدوات إعلامية ومنصات رقمية، بل وبأصوات من داخل المجتمعات الإسلامية تسهم في نشر التشكيك وإثارة البلبلة؛ بما يؤدي إلى إضعاف الثقة في الهُويَّة والانتماء، وتحويل الصراع من مواجهة خارجية واضحة إلى حالة اضطراب داخلي تفكك البنية الفكرية والعقل الجمعي للأمَّة.
وأشار إلى أنَّ من أخطر تلك المخططات: بث الفُرقة بين المسلمين، وإحياء النعرات الطائفية والعرقية والقبلية؛ لشرذَمة الأمَّة، وإشغالها بصراعات داخلية، إلى جانب التهوين من المقدسات والطعن في القرآن الكريم والسُّنة النبويَّة، والنَّيل من صحابة رسول الله ﷺ، في محاولة لقطع الصلة بالمصادر الأصيلة للدين، مشدِّدًا على أنَّ السبيل إلى المواجهة تبدأ بالوعي والعودة الصادقة إلى كتاب الله تعالى الذي كشف طبيعة التحديات، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾،.
ولفت فضيلته إلى أنَّ المواجهة لا تكون بردود أفعال عاطفيَّة؛ بل بعلم راسخ وفهم عميق، داعيًا الشباب إلى الالتفاف حول علمائهم وأساتذتهم، وقراءة ما يطرحه خصوم الإسلام قراءةً نقديَّةً واعيةً تمكنهم من الرد بالحجة والبرهان، كما دعا الآباء والمعلمين إلى القيام بدورهم في غرس الانتماء وتعزيز الثقة بالهُويَّة؛ حتى تبقى الأوطان قوية بأبنائها، عصيَّة على محاولات التفكيك والتزييف.
من جهته، أكد د. خالد عباس أهمية الحراك الفكري داخل الجامعة، وخاصة كلية اللغات والترجمة؛ لأن طبيعة الدراسة في الكليَّة وسفر عدد من طلابها إلى الخارج يفرضان ضرورة تعزيز وعيهم الوطني والفكري؛ ليكونوا سفراء مشرفين لوطنهم في مختلف المحافل؛ فمثل هذه الفعاليات تسهم في ترسيخ إدراكهم بالقضايا المعاصرة، وفي مقدمتها: المخططات الصِّهْيَونيَّة وأساليبها الدعائية، كما تعمق اعتزازهم بما حققه جيشنا العظيم في انتصارات العاشر من رمضان، بالإضافة اكتساب هذه الندوات أهمية خاصة، في ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة تتطلب وعيًا راسخًا وقدرة على الفهم والتحليل وحماية الثوابت الوطنية.
في السياق نفسه، قال د. محمد ورداني: إنَّ هناك مخططات صِهْيَونيَّة تهدف إلى غزو العقول في العالم العربي، وإن هذه المخططات تستخدم استراتيجيات متعددة تبدأ بـ(ترتيب الأولويات) لتشويه الرموز وإضعاف ارتباط الجمهور بها، من خلال التجريم، والتخويف، ثم يأتي بعد ذلك استخدام استراتيجية (التأطير) عن طريق وضع المعلومات في سياقات محددة تخدم أهدافًا معيَّنة.
وأكَّد الدكتور ورداني أنَّ معركة الوعي اليوم لم تعُد مقصورة على ساحات القتال التقليديَّة؛ بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي والرَّقْمي؛ إذْ تدار حملات منظمة عبر منصات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة؛ لإعادة صياغة المفاهيم وتشكيل العقول، لافتًا إلى أنَّ على طلاب اللغات والترجمة مسئوليَّةً مضاعفةً في كشف المغالطات وتصحيح الصورة، مستفيدين من أدواتهم العِلميَّة في الترجمة الدقيقة ونقل الحقائق بأمانة؛ لأنَّ بناء جيل واعٍ لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالعلم الرصين، والحوار المنضبط، والانفتاح الواعي الذي يميز بين الثابت والمتغير، ويجمع بين الاعتزاز بالهُويَّة والقدرة على التفاعل الإيجابي مع العالم.
كما أكد الشيخ يوسف المنسي أنَّ التعامل مع الصِّهْيَونيَّة لا يمكن أن يكون بمعزل عن الفهم الصحيح لما جاء في القرآن الكريم من كشف لطبيعة الصراع وسمات المعتدين عبر التاريخ، فقد تحدَّث القرآن الكريم عن صور من انحرافهم وعدوانهم، ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، بما يبين خطورة الانحراف حين يقترن بالاستكبار ونقض العهود.
وأوضح أن المشهد العالمي اليوم يكشف عن محاولات مستمرة لفرض الهيمنة وبسط النفوذ عبر أدوات متعددة، وهو ما يستوجب وعيًا بطبيعة الصراع وأبعاده، قائمًا على قراءة واعية للنصوص الشرعيَّة وفهم التاريخ؛ حتى لا يُخدع الشباب بالشعارات؛ لأنَّ الثبات على القيم والوعي بالحقائق هما السبيل إلى حماية الهُويَّة وصون الأوطان.
وتستمرَّ فعاليَّات الأسبوع الدعوي حتى يوم الخميس، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف؛ إذْ تتنوَّع الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تتناول عددًا من المحاور المهمَّة، من بينها: قراءةٌ تحليليَّة في أسباب ووسائل انتصارات أكتوبر، وبيان طبيعة الدعايات الصِّهْيَونيَّة وأساليب مواجهتها، وتعزيز الوعي بمخططات الصِّهْيَونيَّة العالميَّة ودور الشباب في تفنيدها، إلى جانب إلقاء الضوء على تاريخ اليهود في محاربة الإسلام، وتأكيد أنَّ الأوطان أمانةٌ ومسئوليَّةٌ مشتركةٌ تتطلَّب الوعي والعمل للحفاظ عليها.

