لم يكن مقتل الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في غارات أمريكية وإسرائيلية حدثاً عادياً في سياق صراع إقليمي محتدم، بل شكّل نقطة تحول دراماتيكية في مسار الجمهورية الإسلامية بأكملها. فالرجل الذي حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود، وأمسك بخيوط السلطة الدينية والعسكرية والسياسية، رحل في لحظة تتقاطع فيها الحرب الخارجية مع هشاشة داخلية متراكمة.
في ظل استمرار الضربات التي تطال شخصيات بارزة في النظام وقادة الحرس الثوري ومستشارين مخضرمين، تبدو إيران وكأنها تسير على حبل مشدود بين الاستمرارية والانقسام.
ولاية الفقيه.. الأساس الذي بُني عليه النظام
لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى الجذور. تأسست الجمهورية الإسلامية عقب ثورة عام 1979 التي قادها آية الله روح الله الخميني، والذي رسّخ في الدستور مبدأ "ولاية الفقيه". هذا المبدأ يمنح رجل الدين الأعلى سلطة سياسية ودينية مطلقة إلى حين عودة الإمام الثاني عشر لدى الشيعة، وفق العقيدة الاثني عشرية.
منذ ذلك الحين، لم يكن منصب المرشد الأعلى مجرد موقع رمزي، بل كان مركز الثقل الحقيقي في الدولة. في عهد الخميني، ثم في عهد خلفه خامنئي، أصبح المرشد هو صاحب القرار النهائي في السياسات العامة، والمشرف على القوات المسلحة، والمتحكم في التعيينات الحساسة، وصاحب الكلمة الفصل في الحرب والسلم.
برحيل خامنئي، يهتز هذا البناء الذي قام على مركزية شخصية واحدة. أي قائد جديد لن يرث فقط صلاحيات واسعة، بل سيرث أيضاً تحديات غير مسبوقة، في ظل انقسام داخلي وضغوط خارجية خانقة.
إدارة انتقالية تحت النار
ينص الدستور الإيراني على اختيار زعيم أعلى جديد خلال ثلاثة أشهر من شغور المنصب. وحتى يتم ذلك، تتولى مهام القيادة لجنة مؤقتة تضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى جانب آية الله علي رضا أعرافي، ورئيس السلطة القضائية آية الله غلام حسين محسني أجئي.
هذه القيادة الانتقالية تعمل في ظرف بالغ الحساسية. فالضربات العسكرية لم تتوقف، والاستهداف طال دوائر ضيقة كانت تمثل العمود الفقري للنظام.
الحرس الثوري.. القوة التي لا يمكن تجاوزها
لا يمكن الحديث عن مستقبل القيادة في إيران من دون التوقف عند دور الحرس الثوري الإيراني.
هذه المؤسسة التي تأسست لحماية الثورة، تحولت بمرور الوقت إلى لاعب محوري في السياسة والاقتصاد والأمن.
الحرس لا يخضع للرئيس المنتخب، بل يتبع مباشرة للمرشد الأعلى، مما منحه نفوذاً استثنائياً. خلال العقود الماضية، توسعت شبكته الاقتصادية عبر شركات ضخمة، أبرزها “خاتم الأنبياء”، وفاز بعقود بمليارات الدولارات في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية.
غير أن الضربات الأخيرة أضعفت صفوفه العليا ومقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني قبل سنوات شكّل بداية مرحلة استنزاف، ثم توالت الاستهدافات التي طالت قيادات بارزة، وصولاً إلى التقارير التي تحدثت عن مقتل شخصيات عسكرية رفيعة خلال الحرب الحالية.
عقيدة واحدة
تتميز البنية العسكرية الإيرانية بوجود جيشين رئيسيين، الجيش النظامي المكلف بحماية الحدود ووحدة الأراضي، والحرس الثوري الذي يركز على حماية النظام ومكتسبات الثورة.
التنسيق بينهما يتم عبر هيئة الأركان العامة ومقر “خاتم الأنبياء” الذي أصبح قيادة مستقلة للعمليات.
هذا التكوين الفريد يعكس طبيعة النظام الذي يوازن بين الدولة التقليدية والدولة الثورية. ومع غياب المرشد، يصبح السؤال حول من يملك القرار النهائي في لحظة التصعيد العسكري أكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظل امتلاك إيران واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في المنطقة.
الصواريخ كورقة ردع
تعتمد إيران بشكل أساسي على قوتها الصاروخية لتعويض محدودية سلاحها الجوي التقليدي. تمتلك طهران مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية بمديات تصل إلى ألفي كيلومتر، مما يجعلها قادرة على ضرب أهداف في أنحاء واسعة من الشرق الأوسط.
إدارة هذا الملف الحساس كانت دائماً بيد المرشد الأعلى. ومع غيابه، تزداد أهمية اختيار شخصية قادرة على التعامل مع معادلة الردع والتصعيد بحسابات دقيقة، خاصة في ظل مواجهة مفتوحة مع إسرائيل وتوتر دائم مع الولايات المتحدة.
الرئيس بين النفوذ والقيود
رغم أن الرئيس الإيراني يرأس الحكومة ويدير الوزارات والميزانية ويرأس المجلس الأعلى للأمن القومي، إلا أن سلطته تبقى محدودة أمام صلاحيات المرشد. الدستور يمنحه دوراً تنفيذياً، لكنه لا يملك سيطرة عملية على القوات المسلحة أو الحرس الثوري.
لحظة إعادة تعريف
الهجوم الذي أودى بحياة خامنئي لم يستهدف شخصاً فحسب، بل استهدف بنية متماسكة قامت على مركزية القرار. اليوم، تجد إيران نفسها أمام اختبار غير مسبوق.. إما أن تنجح في إعادة إنتاج قيادة تحافظ على تماسك النظام، أو تدخل في مرحلة صراع صامت بين مراكز القوى.
التيار المحافظ يسعى إلى ضمان الاستمرارية وعدم إظهار أي ضعف أمام الخارج، بينما قد يرى الإصلاحيون في اللحظة فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع المجتمع الدولي وتهدئة الداخل. أما الحرس الثوري، فسيكون همه الأول حماية نفوذه ومصالحه الاقتصادية والأمنية.