مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وتكثيف الضربات التي تستهدف قيادات عسكرية ومنشآت استراتيجية داخل إيران، تتزايد التساؤلات حول مدى تأثير هذه العمليات على استقرار النظام الإيراني، وقدرته على الصمود في ظل الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة، كما يثار جدل واسع حول مدى نجاح هذه الحملة في تقليص التهديد النووي والصاروخي الإيراني، واحتمالات اتساع رقعة الصراع في المنطقة.
وفي هذا السياق، أجرى موقع "صدى البلد" حوارا مع المحلل السياسي فولفجانج بوسزتاي، المستشار الأول في المعهد النمساوي للسياسة الأوروبية والأمنية، للحديث عن تداعيات الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتأثيرها على بنية النظام الإيراني، إضافة إلى تقييم الاستراتيجية الإيرانية المضادة واحتمالات تطور الصراع خلال الفترة المقبلة.
كيف تقيم تأثير الضربات الأمريكيةالإسرائيلية التي تستهدف القيادات العسكرية والسياسية في إيران على استقرار النظام؟ وهل يمتلك النظام بدائل قادرة على ملء الفراغ الذي يخلّفه هؤلاء القادة؟
تُضعف الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي تستهدف قيادات إيران المدنية والعسكرية العليا، بما في ذلك قادة الحرس الثوري، بنية القيادة في النظام تدريجياً عبر تصفية شخصيات كانت تمثل ركائز أساسية في استقراره، ورغم ظهور بدائل لشغل هذه المناصب، فإنهم غالباً يفتقرون إلى الخبرة والنفوذ وشبكات العلاقات التي كان يتمتع بها القادة السابقون.
ومع كل خسارة جديدة، تتآكل القدرة الاستراتيجية للنظام ويصبح العثور على بدائل مؤهلة أمراً أكثر صعوبة، وفي ظل هذا الاستنزاف التدريجي، لا يبدو أن هناك شخصية قادرة على مضاهاة النفوذ أو المكانة الدينية والسياسية التي تمتع بها المرشد الأعلى علي خامنئي، ما يجعل مستقبل القيادة في إيران أكثر غموضاً مما كان عليه منذ عقود.
إلى أي مدى يمكن أن تكون حرب المعلومات والرسائل السياسية المصاحبة للحملة العسكرية فعّالة في زيادة الضغط على النظام الإيراني؟ وهل يمكن أن تؤثر فعلاً في مسار الصراع؟
يصعب قياس التأثير الفعلي لحرب المعلومات الدائرة حالياً، لكن الرسائل المتباينة الصادرة عن واشنطن بشأن أهداف الحرب تبدو محاولة لخفض سقف التوقعات الأمريكية، وفي الوقت نفسه زيادة الضغط على المعارضة الإيرانية.
فمن خلال استبعاد هدف تغيير النظام علناً من الأهداف المعلنة للحملة العسكرية، يبعث الرئيس دونالد ترامب رسالة مفادها أن على قوى المعارضة الإيرانية أن تتولى هذا الدور بنفسها، ومع ذلك، يبقى الواقع الأساسي أن القضاء على تهديدي البرنامج النووي والصاروخي الإيراني يتطلب في النهاية تغيير النظام الذي يقف وراءهما.
وتشير التصريحات الأخيرة إلى أن طهران يجب ألا تراهن على حرب قصيرة يمكنها الصمود خلالها، لكن في المقابل فإن حرباً طويلة قد تستنزف مخزونات الذخيرة في المنطقة، وترفع عدد الضحايا، وتؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية، وهو أمر يسعى ترامب على الأرجح إلى تجنبه قبل الانتخابات النصفية. لذلك، من المتوقع أن تنتهي العمليات خلال بضعة أسابيع.
كيف تقيم فاعلية الخطة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية في تقليص التهديد النووي والصاروخي الإيراني؟ وهل حققت هذه الضربات نتائج استراتيجية ملموسة حتى الآن؟
تشير التقديرات الأمريكية الإسرائيلية، استناداً إلى معلومات استخباراتية، إلى أن إيران كانت تعمل على إعادة بناء شبكة دفاعها الجوي بدعم كبير من روسيا والصين، إلى جانب إحياء برنامجها النووي العسكري. ومن وجهة نظر واشنطن وتل أبيب، كان ذلك يعني أنه خلال سنوات قليلة قد تواجهان برنامجاً نووياً إيرانياً أكثر تقدماً وأفضل حماية.
ولا يزال من الصعب تقييم مدى نجاح الحملة في القضاء على ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، لكن إذا صحت المعلومات التي قدمتها واشنطن وتل أبيب، فإن عدة أهداف رئيسية قد تم استهدافها وتدميرها.
أما الحملة ضد الصواريخ بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى إسرائيل فتبدو أكثر فاعلية، ففي بداية الحرب كانت إيران قادرة على إطلاق رشقات تتراوح بين 40 و60 صاروخاً، بينما تراجعت هذه الأعداد حالياً إلى ما بين 15 و20 صاروخاً فقط في كل دفعة، ويُعد انخفاض عدد الصواريخ مؤشراً على تراجع عدد منصات الإطلاق المتحركة لدى إيران.
ومع ذلك، تبقى الأرقام محل خلاف كبير؛ إذ تعلن إسرائيل عادة أعداداً أعلى للصواريخ التي أطلقتها إيران لتأكيد ارتفاع معدلات الاعتراض، بينما تنشر طهران أرقاماً أقل بكثير، ما يوحي وفق روايتها بنسبة أعلى من الإصابات المباشرة.
كيف تنظر إلى الاستراتيجية المضادة التي تتبعها إيران خاصة فيما يتعلق باستهداف مواقع أمريكية وإسرائيلية والتهديد بإرباك إمدادات الطاقة في الخليج؟ وهل يمكن أن تشكل هذه الخطوات ضغطاً حقيقياً على واشنطن وتل أبيب؟
لا تمتلك إيران خيارات استراتيجية واسعة في مواجهة التحالف الأمريكيالإسرائيلي، إذ يصعب عليها تحقيق انتصار عسكري مباشر، لذلك تعتمد استراتيجيتها على إطالة أمد الصراع حتى يؤدي الضغط الداخلي والدولي إلى إجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على وقف الهجمات.
وتقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية:
مواصلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، و تنفيذ هجمات منسقة ضد أهداف أمريكية عسكرية ودبلوماسية وتجارية في المنطقة لرفع كلفة الحرب سياسياً في واشنطنن و أخيرا، ممارسة ضغط غير مباشر عبر استهداف دول الخليج أو تهديد صادراتها من النفط والغاز.
ويهدف هذا النهج إلى خلق أزمة طاقة تدفع دول الخليج، وكذلك أوروبا والهند واليابان والصين، إلى الضغط على واشنطن لإنهاء الحرب قبل أن تتعرض القدرات العسكرية الإيرانية للتدمير الكامل أو يتعرض النظام نفسه للانهيار.
ومع ذلك، يشكك مراقبون في مدى نجاح هذه الاستراتيجية، إذ لا يبدو أن الرئيس ترامب يميل إلى الاستجابة بسهولة للضغوط الدولية.



