أكد السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق أن خطاب السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، جاء هذا العام في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع عدة أزمات جيوسياسية واقتصادية في الشرق الأوسط، وتنعكس آثارها المباشرة على الأوضاع الداخلية في مصر.
وشدد حجازي - في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط - على أن الخطاب لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية تقليدية، بل حمل في مضمونه رسائل سياسية واقتصادية واضحة، هدفت إلى شرح طبيعة المرحلة الراهنة وتأكيد على أهمية التماسك الوطني في مواجهة التحديات المتزايدة.
وأشار إلى أهمية ما ركز علية الرئيس في كلمته على أن المنطقة تمر بمرحلة بالغة التعقيد، تقف فيها عند مفترق طرق تاريخي نتيجة الحروب والصراعات الممتدة في أكثر من اتجاه، فالتصعيد العسكري في المنطقة، والحرب في غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، بالإضافة إلى النزاعات القائمة في عدد من الدول العربية، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة إقليمية غير مستقرة، انعكست بدورها على الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن هذه التطورات أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وهو ما لم تكن مصر بمنأى عن تداعياته.
وفي السياق، أكد السفير حجازي أن الرئيس السيسي سعى في خطابه إلى وضع الرأي العام المصري أمام صورة أشمل للظروف التي تواجهها الدولة، موضحا أن الضغوط الاقتصادية الحالية ترتبط بتداعيات الأزمات الدولية والإقليمية المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة، لافتًا إلى أن الرئيس أوضح أن مصر تكبدت خسائر كبيرة نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس بسبب التوترات الأمنية في المنطقة، حيث فقدت الدولة نحو عشرة مليارات دولار من هذه الإيرادات، وهو ما أثر بشكل مباشر على الموارد الدولارية.
ولفت إلى أنه من بين أهم الرسائل ما تناوله الرئيس حول الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة مؤخرا، وعلى رأسها رفع أسعار المنتجات البترولية، مؤكدا أن هذه الخطوة لم تكن خيارا مفضلا للدولة، بقدر ما كانت ضرورة فرضتها طبيعة الظروف الاقتصادية، موضحا أن مصر تستهلك منتجات بترولية بقيمة تقارب 20 مليار دولار سنويا، وهو ما يمثل عبئا كبيرا على الموازنة العامة خاصة في ظل الحاجة إلى توفير الطاقة لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع وضمان استمرار النشاط الاقتصادي.
وأكد أهمية ما ذكره الرئيس السيسي من أن استمرار الدولة في تحمل التكلفة الكاملة لدعم الطاقة من خلال الاقتراض بالعملة الصعبة، كان سيؤدي إلى تراكم الديون والدخول في دائرة اقتصادية مغلقة يصعب الخروج منها، ومن ثم فإن الإجراءات الإصلاحية، رغم صعوبتها، تأتي في إطار محاولة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتجنب خيارات أكثر قسوة في المستقبل.
وأضاف أنه ورغم الحديث عن هذه الإجراءات، حرص الخطاب على التأكيد على استمرار التزام الدولة بالبعد الاجتماعي في سياساتها الاقتصادية، مشيرا إلى أن الحكومة تعمل على إطلاق حزمة اجتماعية جديدة تستهدف دعم الفئات الأكثر احتياجا ومحدودي ومتوسطي الدخل؛ بما يضمن توفير قدر من الحماية الاجتماعية في ظل الظروف الحالية، مشددا على ضرورة الرقابة الصارمة على الأسواق لمنع أي محاولات لاستغلال الأوضاع الاقتصادية أو تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وتابع السفير حجازي "أنه من بين الرسائل المهمة التي تضمنها الخطاب أيضا الدعوة إلى قدر أكبر من الشفافية في شرح السياسات الاقتصادية للرأي العام، حيث أشار الرئيس السيسي إلى بعض الانتقادات التي ظهرت في وسائل الإعلام بشأن عدم مصارحة المواطنين بالحقائق الاقتصادية"، مؤكدا أن من واجب الحكومة تقديم شرح واضح للظروف التي تمر بها الدولة، حتى يكون المواطن على دراية بطبيعة التحديات والخيارات المتاحة.
وشدد على أن كلمة الرئيس السيسي حملت رسالة سياسية واجتماعية، تؤكد أن استقرار الدول لا يعتمد فقط على القرارات الاقتصادية، بل يرتبط أيضا بوعي المجتمعات وقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي.. وفي إشارة إلى التجارب الصعبة التي مرت بها المنطقة خلال العقد الماضي، أكد الرئيس السيسي أن بعض الدول قد تتعرض لخسائر كبيرة أو حتى للفقدان نتيجة حسابات خاطئة أو انقسامات داخلية، مشددا على أن تماسك المصريين يمثل الضمانة الأساسية لعبور هذه المرحلة.
ونوه بأن كلمة الرئيس سعت إلى تحقيق توازن دقيق بين شرح التحديات الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الدولة، وبين توجيه رسالة طمأنة تؤكد أن مصر ما زالت قادرة على إدارة هذه التحديات، كما أكدت أن الإصلاح الاقتصادي ليس خيارا سياسيا مؤقتا بل ضرورة استراتيجية؛ لضمان استدامة الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقرار الدولة في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، وفي ظل هذه الظروف، تبدو الرسالة الأساسية للخطاب واضحة: "أن مصر تدرك حجم التحديات التي تحيط بها، لكنها تراهن في المقابل على قوة مؤسساتها وتماسك مجتمعها لعبور هذه المرحلة الدقيقة".
من جانبه..قال السفير جمال بيومي مساعد وزير الخارجية الأسبق "إن خطاب السيد الرئيس شمل كل ما يهم الأمة من موضوعات، يتقدمها إبداء القلق من غيبة المجتمع الدولي وتراجع فعاليته، والأزمة العالمية والحروب الدائرة حولنا، والموقف فيها شديد الارتباك".
وأضاف "أن الرئيس تحدث أيضا عن الأحوال العربية غير المطمئنة والتي تنعكس سلبا علي نسبة من الدول العربية وإدانة مصر للعدوان الإيراني على عدد من الدول الخليجية".
وأشار إلى أن الرئيس تطرق في خطابه إلى الأحوال المصرية فطمأننا على وضعنا الأمني، قائلًا "لا يجرؤ أحد على المساس بأمن مصر وحدودها"، لكنه فسر أيضا الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نواجهها، وأسباب ارتفاع الأسعار عموما والوقود بصفة خاصة، وأعلن عن مجموعة من الإجراءات التي اتخذت أو ستتخذ في القريب لمساندة الطبقات الأقل مقدرة والأكثر احتياجا وتشمل توفير السلع وزيادة المرتبات ودعم التعليم والرعاية الصحية.
وبدوره.. أكد السفير أشرف عقل سفير مصر الأسبق لدى فلسطين واليمن أن كلمة الرئيس السيسي، اليوم، جاءت في توقيت بالغ الحساسية والدقة، في ظل تطورات إقليمية متسارعة تشهدها المنطقة، على خلفية الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما يترتب على ذلك من تداعيات تمس أمن واستقرار دول الخليج والمنطقة بأكملها.
وأوضح السفير عقل، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن الرئيس السيسي أكد بوضوح موقف مصر الثابت الداعم لأمن دول الخليج، مؤكدًا أهمية العمل من أجل وقف هذه الحرب وتجنب اتساع رقعتها، وذلك من خلال تكثيف الجهود الدبلوماسية والاتصالات التي تجريها مصر مع مختلف الأطراف الدولية، وفي مقدمتها التحركات التي يقودها وزير الخارجية مع نظرائه في الدول الشقيقة والصديقة.
وأشار إلى أن الكلمة لم تقتصر على الشأن الخارجي بل تناولت أيضًا الأوضاع الداخلية، وعلى رأسها قضية ارتفاع أسعار المنتجات البترولية مؤخرا، حيث حرص الرئيس السيسي على شرح الخلفيات الاقتصادية والظروف الصعبة التي مرت بها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن الرئيس أكد أن الدولة المصرية ماضية في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل، إلا أن مثل هذه البرامج تحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، مشيرًا إلى أن القيادة السياسية تدرك حجم الضغوط التي يتحملها المواطن المصري، وخاصة محدودي الدخل، وأنها تشعر بمعاناته وتسعى إلى تخفيف الأعباء قدر الإمكان.
ونوه بأن خطاب الرئيس أشار كذلك إلى أن مصر دولة كبيرة ذات ثقل تاريخي وسياسي في المنطقة، وأنها مرت عبر تاريخها الطويل بأزمات أشد قسوة، لكنها استطاعت تجاوزها والخروج منها أكثر قوة وصلابة، ومن ثم فإن المرحلة الحالية، رغم صعوبتها، يمكن تجاوزها بالإدارة الرشيدة والعمل الجاد وتحمل المسؤولية من جميع مؤسسات الدولة.
وأضاف أن كلمة الرئيس عكست قدرًا كبيرًا من الصراحة والوضوح في عرض التحديات، حيث حرص على وضع "النقاط فوق الحروف"، موضحًا طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، مؤكدًا أن الهدف الأول يظل دائمًا تحقيق مصلحة المواطن والحفاظ على استقرار الدولة.
وأشار إلى أن الرئيس أوضح في كلمته أنه بالرغم من صعوبة الظروف الحالية، فإن النظرة المستقبلية تبقى قائمة على التفاؤل بأن مصر قادرة على تجاوز هذه المرحلة؛ استنادا إلى دورها الإقليمي والحضاري الممتد عبر آلاف السنين، بما يسهم في تحقيق الاستقرار والتهدئة في المنطقة، فمصر بما تمتلكه من خبرات دبلوماسية وقدرات تفاوضية ورؤية استراتيجية عميقة، تظل عنصر توازن هام في محيطها الإقليمي خاصة في ظل الأزمات المتعددة التي تحيط بها في كل من السودان وليبيا وقطاع غزة وما تشهده الأوضاع في دول الخليج، وهي أزمات يرتبط كثير منها بشكل مباشر بالأمن القومي المصري.
وأضاف "أن رسالة الرئيس الجوهرية اليوم تتمثل في قدرة مصر على تجاوز التحديات بفضل تماسك مؤسسات الدولة، ووعي القيادة السياسية، وتحمل كل مسؤول لمسؤولياته، وهي عوامل كفيلة بأن تقود البلاد إلى مستقبل أكثر استقرارًا وقوة".