قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

وائل الغول يكتب : رغم الاختراقات والاغتيالات .. هل فشلت إسرائيل استخباراتيًا خلال حرب إيران؟

وائل الغول
وائل الغول

في لحظة بدت فيها المنطقة أقرب إلى الانفجار الشامل، لم تكن الضربات الجوية وحدها هي التي تُرسم بها ملامح الحرب بين إسرائيل وإيران، بل كانت هناك حرب أخرى تدور في الظل… حرب لا تُسمع أصواتها، لكنها قد تُحسم بها المعارك الكبرى: حرب الاستخبارات.


اغتيالات دقيقة، اختراقات عميقة، عمليات تُنفَّذ داخل بيئة شديدة التحصين.

مشاهد توحي بأن هناك قدرة على الوصول إلى ما هو أبعد من الخطوط الأمامية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل كل هذا التفوق العملياتي كان كافيًا لفرض معادلة جديدة داخل إيران؟ أم أنه ظل محصورًا في نطاق الإرباك دون القدرة على صناعة التحول الأكبر؟
——

نجاح تكتيكي لم يغيّر المعادلة

لا يمكن إنكار أن إسرائيل نجحت في تنفيذ عمليات نوعية داخل العمق الإيراني.

استهدفت شخصيات مؤثرة، وأظهرت قدرة استخباراتية متقدمة على الوصول إلى أهداف شديدة التحصين.

لكن هذه النجاحات، رغم كثافتها وتعدد أدواتها، كشفت مفارقة واضحة:

كلما زادت دقة العمليات وتنوعت، ظل أثرها محصورًا في الإرباك اللحظي دون أن يتحول إلى اختراق بنيوي في النظام نفسه.

هذه العمليات، رغم تراكمها، بقيت عاجزة عن إنتاج نتيجة تراكمية تقود إلى تغيير في ميزان السلطة داخل إيران.

بمعنى آخر، استطاعت هذه العمليات أن تُربك الحسابات، وتُرهق المنظومة الأمنية، لكنها لم تنجح في كسرها.
——

“الانفجار الداخلي”.. رهان لم يحدث

أحد أكثر السيناريوهات التي تم التعويل عليها كان أن يؤدي الضغط العسكري والعمليات الاستخباراتية إلى إشعال الداخل الإيراني، سواء عبر احتجاجات واسعة أو حتى انشقاقات داخل مؤسسات الدولة.

ورغم أن بعض التقديرات الأولية افترضت أن الضربات قد تُحدث “ارتباكًا قابلًا للتحول”.

لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا.

حتى الآن، لم تظهر مؤشرات على موجة تمرد واسعة، 
ولا حراك شعبي واسع، ولم تظهر فجوات حقيقية داخل الأجهزة الأمنية أو العسكرية.

ولكن على النقيض، بدا أن التهديد الخارجي ساهم في خلق حالة من الالتفاف حول النظام، حتى داخل شرائح كانت في أوقات سابقة أكثر نقدًا.

الشارع الذي كان يُفترض أن يكون نقطة التحول، لم يتحول إلى لاعب حاسم في المعادلة خلال هذه المرحلة، بل ظل تحت تأثير حسابات الأمن القومي، والرغبة في الاستقرار، والخوف من الفوضى.

——
نظام لا ينكسر

اللافت في التجربة الإيرانية هو قدرة النظام على امتصاص الصدمات.

فبدل أن تؤدي الضربات إلى شلل في المؤسسات، كانت الاستجابة غالبًا سريعة ومنظمة: إعادة تعيين قيادات، إعادة توزيع صلاحيات، وتشديد الإجراءات الأمنية.

النظام هنا لا يعتمد على مركز واحد هش، بل على شبكة مؤسساتية متداخلة تسمح له بالاستمرار حتى في ظل خسائر مؤلمة.

وهذا ما يجعل فكرة "الضربة القاضية، أو الانتصار الحاسم"، غير واقعية.

——-

الرغبة أم الواقع؟

في خلفية المشهد، برزت تقديرات كانت تميل إلى التفاؤل بإمكانية تحقيق نتائج استراتيجية سريعة عبر الضغط العسكري والاستخباراتي.

وهو اتجاه تحليلي يمكن وصفه بأنه أقرب إلى “تفكير استباقي متفائل” أكثر من كونه قراءة صلبة للمعطيات على الأرض.

لكن هذه التقديرات، عند اختبارها على أرض الواقع، اصطدمت بحقيقة بسيطة::

إسقاط نظام سياسي متماسك لا يشبه تنفيذ عملية نوعية ناجحة.

هناك فرق بين القدرة على الوصول إلى هدف محدد، والقدرة على إعادة تشكيل دولة كاملة.

ما بدا في بعض اللحظات كأنه “قابل للتحقق سريعًا”، اتضح لاحقًا أنه أقرب إلى تصور طموح أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ في بيئة معقدة مثل إيران.
——-

حدود القوة الاستخباراتية

رغم ما أثبتته العمليات الاستخباراتية من دقة وقدرة على الوصول، إلا أنها في النهاية تظل أدوات، وليست بديلًا عن عوامل التغيير السياسي.

الاغتيال قد يُربك، والاختراق قد يكشف ثغرات، لكن تغيير نظام سياسي يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: حراك داخلي واسع، قيادة بديلة، وانقسام حقيقي في بنية السلطة.

وهي عناصر لم تتوفر مجتمعة بالشكل الذي يسمح بتحويل الضغط الخارجي إلى تحول داخلي حاسم.

———
معضلة استخباراتية؟

في هذه الحرب، لم يكن الفشل في تنفيذ العمليات… بل في الرهان عليها.

فبينما نجحت إسرائيل في إثبات قدرتها على الوصول إلى العمق الإيراني وتنفيذ ضربات مؤثرة، فإنها لم تنجح في ترجمة هذا التفوق إلى نتيجة استراتيجية كبرى.

الاستخبارات الإسرائيلية قد تكون كسبت جولات بحروب الظل… لكنها لم تحسم المعركة الأكبر.

التفوق في الاختراق والاغتيال لا يعني بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل نظام سياسي راسخ.

ويبقى السؤال الأهم: هل تكفي الضربات الدقيقة والاغتيالات والاختراقات العميقة لإسقاط نظام يملك القدرة على التكيّف وإعادة إنتاج نفسه؟، أم أن الرهان على الخارج وحده يظل عاجزًا عن كسر معادلة لا تُحسم إلا من الداخل؟