في عام 2018، صدر كتاب بعنوان "Like War: The Weaponization of Social Media"، أو "حرب النقرات: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي"، للكاتبين الأمريكيين؛ الدكتور بيتر سنجر، خبير استراتيجيات الدفاع والمحاضر بجامعة هارفارد، والباحث إيمرسون بروكينج المتخصص في النزاعات الرقمية؛ يتناولان فيه تحول الفضاءات الإلكترونية من ساحات للتعارف إلى ميادين معارك حقيقية تُدار بنسق خبيث. إذ يؤكد الباحثان أننا نعيش عصر عسكرة الإنترنت، الذي لا تُستخدم فيه هذه الشبكات لنشر المعلومات فحسب، بل يتم التلاعب بوعي روادها عبر مختبرات الهندسة الرقمية، التي تهدف بالأساس إلى زعزعة استقرار الخصوم وبث الفرقة بين الحلفاء.
ولكي ندرك خطورة هذا المشهد، علينا فهم ما يُعرف بـ "الهندسة العكسية للسلوك البشري"؛ وهي عملية علمية تبدأ من النتيجة المرغوبة، كإحداث فتنة أو تخوين، ثم العودة للوراء لتصميم الأدوات الكفيلة بالوصول لتلك الغاية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على خوارزميات صُممت لتضخيم الغضب عبر المُحفِّزات الانفعالية المبرمجة؛ تلك الكمائن النفسية المبثوثة في الفضاء السيبراني التي تضمن استدراج المتلقي باستغلال نقاط ضعفه النفسية، لتعطيل تفكيره المنطقي واستبداله بردود فعل غريزية حادة.
ويجد هذا الاستدراج الرقمي تجليه في دفع الجماهير نحو استقطاب حاد وتبادل لاتهامات العمالة، محولةً النقاش العام إلى سلاح مدمر يفتت الجبهات الداخلية، ويخدم الأجندات الجيوسياسية للقوى الكبرى دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة! وهو مشهد نراه بوضوح في منطقتنا اليوم، ففي ظل الصراع المستعر بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران، تعمل الخوارزمية الخبيثة بكامل طاقتها لإلهاب الوجدان العربي، ودفع المواطنين نحو فخ التراشق اللفظي الممنهج بين أشقاء لغة الضاد.
وعندما نُسقط هذه الرؤية على واقعنا الراهن، نكتشف كيف تحول الفرد العربي إلى جندي متطوع بالمجان في حروب الآخرين؛ إذ تُغذى المحفزات المبرمجة لتصوير الأخ كعدو، بدلاً من إدراك أن طرفي النزاع الدولي يتخذان من الأرض ومقدراتها مجرد رقعة شطرنج. وهذا ما دفع الحكومة المصرية، متمثلة في وزارة الثقافة وبالتنسيق مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لإصدار بيانها الأخير للتوعية بمخاطر الانزلاق في هاوية هذه الفتنة المصنوعة.
لذا شدد البيان على ضرورة اضطلاع قادة الرأي والمثقفين بدورهم التاريخي لتحصين الوعي العام من هذا التراشق، الذي يستهدف تمزيق أواصر المصير المشترك، حتى يستعيد العقل العربي سيادته المسلوبة أمام هندسة اجتماعية بالغة التعقيد والخطورة. ولكن، كيف يمكن للقارئ أن يُبطل مفعول هذه المحفزات؟ والإجابة يضعها الكاتبان سنجر وبروكينج دليلاً للمقاومة يتلخص في استعادة "الاستقلال الفكري" عبر خطوات ثلاث بسيطة وحاسمة.
تبدأ الخطوة الأولى بـ "التوقف الإرادي لعشر ثوانٍ" قبل الرد على أي محتوى يثير الغضب الفوري؛ لأن هذا الانفعال هو العلامة الأولى على أنك مُستهدف بمحفز مبرمج. وتأتي الخطوة الثانية عبر "تفكيك المصدر"، بالتساؤل عن هوية الحساب الذي يبث المعلومة، فكثير من حملات التخوين تُدار عبر حسابات وهمية لا هدف لها سوى الاستقطاب الموجه. أما الثالثة فهي "الوعي بالانحياز"؛ أي إدراك أن تلك الخوارزميات تعرض لك ما تود سماعه لتعزيز غضبك، وليس ما تحتاج لمعرفته.
يقيناً، يبدأ الحل من الإيمان بأن النقرة التي تضغطها أو التعليق الذي تضيفه هو بمثابة رصاصة؛ فإما أن توجّهها لصدور الأشقاء، أو تستخدمها لحماية وعيك من العبث بأواصر المصير المشترك.