في لحظات تختلط فيها الدموع بالابتسامات، ويعلو فيها صوت الامتنان فوق كل الكلمات، تتجسد أسمى معاني الإنسانية في قصص أمهات مصريات حملن على عاتقهن أدوارًا استثنائية. بين أم شهيد قدمت فلذة كبدها فداءً للوطن، وأم بديلة كرّست حياتها للعطاء، ومؤسسات إنسانية ترعى كبار السن وتمنحهم حياة كريمة، تتشكل لوحة إنسانية فريدة تعكس وجه مصر الحقيقي.
هذه القصص ليست مجرد حكايات عابرة، بل رسائل عميقة تؤكد أن التضحية لا تضيع، وأن العطاء الصادق يجد طريقه دائمًا إلى التقدير.
أم الشهيد.. وجع الفقد وفخر الوطن
تكريم يداوي الجراح
في مشهد إنساني مؤثر، روت مها شعبان، والدة الشهيد محمود رضا البحيري، تفاصيل لحظة تكريمها كأم مثالية لشهيد من أبطال القوات المسلحة. لم يكن هذا التكريم مجرد لقب يُمنح في احتفالية رسمية، بل كان بمثابة رسالة وفاء من الدولة لأم قدمت أغلى ما تملك.
تؤكد مها أن الخبر جاءها بشكل مفاجئ في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، لتُبلغ بأنها تم اختيارها كأم مثالية لشهيد من القوات المسلحة، بناءً على ترشيح من وزارة الدفاع.
تقول مها إن هذا التكريم لم تسعَ إليه، بل اعتبرته “فضلًا كبيرًا وكرمًا من الله”، مؤكدة أن وقع الخبر عليها كان مزيجًا من الدهشة والسعادة، خاصة أنه جاء دون أي تدخل منها، وكأن القدر أراد أن يجبر خاطرها بهذا التقدير.
لقاء إنساني مع الرئيس
لم يتوقف التكريم عند هذا الحد، بل تواصلت وزارة التضامن الاجتماعي مع مها، لإبلاغها بترتيب لقاء مع السيد الرئيس، في إطار احتفالية تكريم الأمهات المثاليات. وتصف هذا اللقاء بأنه كان “مميزًا للغاية”، حيث غلبت عليه أجواء من الحفاوة والتقدير.
وأكدت أن الرئيس حرص خلال اللقاء على التأكيد على أهمية دور المرأة في المجتمع، مشددًا على ضرورة تمكينها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، باعتبارها الركيزة الأساسية في بناء الأجيال وتربية الأبناء.
وأضافت أن كلمات الرئيس لم تغفل التذكير بدور الشهداء، الذين بفضل تضحياتهم تعيش البلاد في أمن واستقرار، وهو ما منح اللقاء طابعًا وطنيًا وإنسانيًا عميقًا.
وجع الفقد.. وفخر الشهادة
ورغم أجواء التكريم، لم تغب لحظة الفقد عن حديث الأم، حيث استرجعت ذكرى استشهاد نجلها محمود رضا البحيري، الذي كان يشغل منصب رئيس عمليات كتيبة العريش، واستُشهد في 11 ديسمبر 2020.
وأوضحت أن فقدان نجلها كان أصعب ما مرت به في حياتها، إلا أنها تستمد قوتها من إيمانها بأن ابنها نال أسمى مراتب التكريم، وهي الشهادة، مؤكدة أن هذا التكريم الإلهي يفوق أي تكريم دنيوي.
التكريم رسالة تقدير لا تُنسى
ترى مها أن هذا التكريم لا يضيف إلى مكانتها أو مكانة ابنها بقدر ما يعكس تقدير الدولة لتضحيات أبنائها، ويؤكد أن أسر الشهداء ليست منسية. وتقول إن هذا الشعور بأن الوطن لا ينسى أبناءه يمنحها قدرًا كبيرًا من الراحة والطمأنينة.
وأضافت أن الاهتمام المستمر من القيادة السياسية ومؤسسات الدولة يعكس وفاء حقيقيًا لمن قدموا أرواحهم فداءً للوطن، وهو ما يجعل هذا التكريم ذا قيمة معنوية كبيرة.
رسالة إلى كل أم مصرية
وفي ختام حديثها، وجهت مها رسالة لكل أم مصرية، مؤكدة أن الأم هي الأساس في بناء المجتمع، وأنها قادرة على تربية أجيال قوية وصالحة.
وشددت على أهمية غرس حب الوطن في نفوس الأبناء منذ الصغر، والعمل على تربيتهم على القيم والأخلاق، ليكونوا عناصر نافعة لأنفسهم ولوطنهم.
وقالت: “الأم المصرية عظيمة وقادرة، وعلينا أن نبذل المزيد من الجهد لنُخرج أجيالًا ترفع اسم بلدها عاليًا”.
الأم البديلة.. رحلة عطاء لا تعرف التوقف
في جانب آخر من التكريم، برزت قصة تريزا موريس عازر أسعد، الطبيبة البيطرية ذات الخمسين عامًا، كواحدة من النماذج الملهمة في المجتمع المصري، بعد تتويجها بلقب الأم البديلة الثانية على مستوى الجمهورية لعام 2026. لم يكن هذا التكريم مجرد لقب، بل تتويج لمسيرة طويلة من العطاء والصبر والإيمان.
لحظة تكريم لا تُنسى
تروي تريزا تفاصيل لقائها مع رئيس الجمهورية، مؤكدة أن الأجواء كانت مليئة بالاحترام والتقدير لدور المرأة المصرية في المجتمع. وأشارت إلى أن اللقاء لم يكن شخصيًا بقدر ما كان عامًا، يحمل رسالة دعم واعتزاز بكل امرأة مصرية.
وقالت إن هذا اللقاء ترك في نفسها أثرًا طيبًا، حيث شعرت بمدى اهتمام الدولة بتقدير دور المرأة، خاصة تلك التي تقدم تضحيات كبيرة في صمت.
رحلة الوصول إلى اللقب
جاء تكريم تريزا بعد ترشيحها ضمن مسابقة الأم المثالية، حيث حصلت على المركز الأول على مستوى محافظة كفر الشيخ، ثم المركز الثاني على مستوى الجمهورية في فئة الأم البديلة.
وأكدت أن هذا الإنجاز لم يكن وليد لحظة، بل هو نتيجة سنوات من العمل والجهد وتحمل الضغوط، مشيرة إلى أن كل ما مرت به من تحديات كان دافعًا للاستمرار وعدم الاستسلام.
فرحة لا توصف ورسالة إيمانية
وصفت تريزا شعورها بعد التكريم بأنه فرحة لا حدود لها، معتبرة أن هذا التقدير هو رسالة دعم من الله عز وجل، وكأنها مكافأة بسيطة على كل ما قدمته من تضحيات.
وأضافت أن هذا الشعور منحها طاقة إيجابية كبيرة، ورسّخ بداخلها الإيمان بأن كل تعب لا يضيع، وأن الله دائمًا يقدر الجهود الصادقة.
إهداء خاص لروح الوالدين
في لفتة وفاء مؤثرة، أهدت تريزا هذا التكريم إلى روح والديها، مؤكدة أنهما السبب الحقيقي فيما وصلت إليه.
وأوضحت أن القيم التي تحملها من حب وتضحية ومسؤولية، زرعها والداها بداخلها منذ الصغر، مشبهة نفسها بالشجرة الطيبة التي نبتت من جذور صالحة.
رسالة إلى كل امرأة مصرية
وجهت تريزا رسالة مؤثرة لكل الأمهات، مؤكدة أن كل أم تستحق أن تُوصف بالمثالية، لما تقدمه من تضحيات يومية من أجل أسرتها.
كما لم تنسَ توجيه التحية لكل امرأة، حتى وإن لم تكن أمًا، لكنها تقدم الحب والرعاية لمن حولها، مشيدة بقوة وصبر المرأة المصرية وقدرتها على تحمل المسؤولية رغم التحديات.
وأكدت أن المرأة في مصر نموذج للعطاء، حيث تضع أسرتها دائمًا في مقدمة أولوياتها، وتواصل العمل بصمت من أجل مستقبل أفضل.
رعاية المسنين.. عندما تتحول الدور إلى بيوت للحياة
في إطار نفس المشهد الإنساني، جاءت قصة جمعية “التعارف للمسنين”، التي حصلت على تكريم رسمي تقديرًا لدورها في رعاية كبار السن.
تؤكد المسؤولة عن الجمعية، سميرة، أن هذا التكريم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة سنوات من العمل الجاد لتقديم حياة كريمة للمسنين.
خدمات تتجاوز الإقامة
توضح سميرة أن الجمعية تقدم خدمات متكاملة تشمل الرعاية الطبية والتمريضية على مدار الساعة، إلى جانب الدعم النفسي المستمر.
كما تحرص على تنظيم أنشطة ترفيهية مثل الحفلات والرحلات، بهدف إدخال السعادة على قلوب النزلاء.
بيئة تمنح الأمان والونس
تشير سميرة إلى أن الهدف الأساسي هو توفير بيئة يشعر فيها المسن بالأمان والراحة، مؤكدة أن كثيرًا من النزلاء جاءوا بإرادتهم بحثًا عن “الونس”.
وأضافت أن هذا الشعور بالاطمئنان يُعد أهم ما يمكن تقديمه في هذه المرحلة العمرية.
تغيير النظرة المجتمعية
تسعى الجمعية إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة حول دور المسنين، حيث تؤكد أن هذه الدور ليست أماكن للعزلة، بل بيوت بديلة توفر الرعاية والاهتمام.
وأوضحت أن تغير ظروف الحياة وانشغال الأبناء يجعل من هذه الدور خيارًا إنسانيًا مناسبًا في كثير من الحالات.
دعم الدولة ودوره في التطوير
أشادت سميرة باهتمام الدولة بكبار السن، مؤكدة أن هذا الدعم يساهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة.
كما أشارت إلى أن هذا الاهتمام يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية رعاية هذه الفئة.
تحية لكل أم
اختتمت سميرة حديثها بتوجيه رسالة تقدير لكل أم مصرية، مؤكدة أن الأم هي رمز العطاء الحقيقي، وأن تكريمها هو تكريم لقيم إنسانية عظيمة.
بين دموع أم شهيد، وفرحة أم بديلة، وابتسامة مسن وجد الأمان في دار رعاية، تتجلى صورة مصر الإنسانية في أبهى صورها. هذه القصص ليست مجرد قصة عابرة، بل خيوط متشابكة تنسج معًا لوحة وطنية عنوانها العطاء والتضحية والوفاء.
إن تكريم هذه النماذج لا يعكس فقط تقدير الدولة، بل يؤكد أن المجتمع لا يزال يحتفي بالقيم النبيلة، ويمنحها المكانة التي تستحقها.