في مسعى لضخ دماء جديدة ومنح الجهود الدبلوماسية رئة إضافية قبل حافة الهاوية، وافق الرئيس الأمريكي على تمديد المفاوضات مع طهران لعشرة أيام إضافية وهو تمديد يبدو بمثابة الفرصة الأخيرة للحيلولة دون سيناريو الصدام العسكري الذي يهدد منشآت الطاقة ويضع المنطقة على فوهة بركان.
وبينما يحبس الجميع أنفاسهم ترقباً لنتائج جولة المفاوضات ، و في ظل ترقب عالمي لمخرجات الوساطة التي ترعاها مصر وتركيا وباكستان، يظل التساؤل قائماً حول إمكانية بلوغ اتفاق النقاط الـ15 المستعصي، الذي يفرض قيوداً صارمة على البرنامج النووي، ويقضي بضرورة تسليم اليورانيوم المخصب، وتحجيم القدرات الصاروخية الإيرانية مقابل وقف التصعيد ، والذي يقابل برفض إيراني قاطع.
إذ تعتبر طهران الإذعان لشروط إدارة ترامب انكساراً استراتيجياً و انتحاراً سياسياً لن تقبل بتبعاته، و تطرح بديلا معاكسا تماماً ، برفع سقف مطالبها باشتراط وقف الهجمات والاغتيالات، والحصول على تعويضات وضمانات ، مع تمسكها المطلق بسيادتها على مضيق هرمز مقابل أي تهدئة محتملة .
لكن، ماهو المسار المرتقب في ظل فجوة تتسع باطراد بين الأطراف، وأي أفق ينتظرنا وسط هذا التباعد الجذري ،فبين أطماع إسرائيل التوسعية وعقلية الصفقة النفعية لدى الإدارة الأمريكية، يبرز خطر الصراع المستدام.
ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، تظل طموحات نتنياهو لإعادة رسم خارطة المنطقة رهين قرار أمريكي مباشر بإنهاء الدور الإيراني أو تحجيمه جذرياً بإرغام طهران على تموضع سياسي جديد ، وبين رؤية واشنطن لفرض معادلة تنتهي باتفاق أو مواجهة تخرج منها منتصرة ، وهي الاحتمالية التي ترجحها تل ابيب ،ومناورة طهران التي تسعى لكسر الحصار الاقتصادي ووقف التهديدات العسكرية كأولوية قصوى ، يقف العالم على حافة الهاوية، محاولاً إزاحة حرب كبرى بدأت شرارتها تلقي بظلالها علي الإقتصاد العالمي.
وتترنح الأزمة بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإيران على مسارات شديدة التعقيد ، فإما تسوية هشة تفضي إلى اتفاق محدود، أو تجميد طويل الأمد يقلص وتيرة العمليات العسكرية وضغوط الملاحة الدولية دون حسم الخلافات الجوهرية، لتتحول المواجهة إلى حرب استنزاف وادعاءات تفوق متبادلة.
وأما الانزلاق نحو سيناريو المعادلة الصفرية، حيث تتجاوز المواجهة قواعد الاشتباك التقليدية لتستهدف العمق الاستراتيجي ومراكز الحكم، وهو ما يضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام خطر التفكك، ويُعرّض البنية التحتية الإيرانية لدمار شامل، ويضع منطقة الشرق الأوسط بأكملها أمام فوضى إقليمية عابرة للحدود.
وفي قلب هذا التصعيد، ، وبينما يواجه الطرفان مخاطر وجودية، تبرز تساؤلات حادة حول جهوزية الداخل الأمريكي المأزوم بالانقسام حول قرار الحرب، ففي حين يضغط تيار الصقور نحو الحسم العسكري، يخشى الرأي العام بالولايات المتحدة من تورط طويل الأمد يستنزف الاقتصاد ويفجّر أسعار الطاقة.
دولياً تتبنى القوى العالمية، لاسيما روسيا والصين، موقفاً يتسم بالبراغماتية تجاه الصراع، إذ تنظران إليه كمنطقة رمادية وسلاح ذي حدين. ففي حين يتخوف الطرفان من تعطل سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، يجدان في استنزاف الموارد الأمريكية فرصة سانحة لتقويض الهيمنة القطبية لواشنطن عبر دعم المحور الإيراني.
أما أوروبا، فتبدو الحلقة الأضعف، إذ يهددها شبح اللجوء ، والإرتباك في إمدادات الطاقة، بفوضى تتجاوز قدرات القارة العجوز على الاحتواء.
إن نشوب حرب إقليمية شاملة سيخلف تداعيات زلزالية تعيد رسم هوية المنطقة ومستقبلها. وبينما لن يؤدي أي انكسار عسكري لإيران إلى محو وجودها كدولة ضاربة في عمق التاريخ وجزء من نسيج آسيا الحضاري، يبرز السؤال الوجودي ما هو مصير إسرائيل ككيان سياسي وعسكري إذا ما تجرعت مرارة الإخفاق في حسم هذه المعركة.
الحسم العسكري في هذه الحرب سيتوقف على القدرة على تسييل المنجز الميداني إلى واقع سياسي مستدام، وبين مسارات الاحتواء التفاوضي، أو إعادة هندسة النظام الإقليمي، وصولاً إلى سيناريو الفوضى الممتدة، تقف إيران والمنطقة برمتها أمام منعطف تاريخي يترقب الجميع مآلاته.