قال الدكتور أمجد الوكيل عضو المجموعة الاستشارية الدائمة للطاقة النووية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية (SAGNE) -و الرئيس السابق لهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، أنه في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، لم تعد قضية السلاح النووي مجرد ملف أمني تقليدي، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي وعدالة تطبيق معاييره. فبينما تلتزم دول بالشفافية الكاملة في برامجها النووية السلمية، لا تزال أطراف أخرى تمارس سياسات "الغموض النووي" بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة، في مشهد يعكس بوضوح حالة الكيل بمكيالين.
وأضاف الوكيل أنه من هنا، تبرز أهمية المبادرة المصرية التي تتقدم بها مصر سنويًا إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال مؤتمرها العام—وقد كان لي شرف التواجد خلال التصويت عليها في الأعوام الأخيرة—حيث تمثل هذه المبادرة طرحًا استراتيجيًا لا يهدف فقط إلى الحد من المخاطر، بل إلى تصحيح خلل بنيوي في النظام الدولي، من خلال الدعوة إلى إخضاع جميع الأنشطة النووية في الشرق الأوسط لنظام الضمانات الشاملة دون استثناء.
أولاً: الحماية الدولية والمسؤولية الإنسانية
المنشآت النووية السلمية ليست مجرد بنية تحتية اقتصادية؛ بل هي مرافق تخضع لرقابة دولية صارمة من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، وتُصمم وفق أعلى معايير الأمان العالمية. إن أي استهداف لهذه المنشآت يمثل تجاوزًا صريحًا للبروتوكولات الدولية (لاسيما اتفاقيات جنيف) التي تحظر المساس بالمنشآت التي تحتوي على "قوى خطرة"، ويُعد جريمة بيئية وإنسانية عابرة للحدود لا يمكن احتواء آثارها.
ثانياً: المبادرة المصرية.. مسار استراتيجي لإنهاء الازدواجية النووية
إن الموقف المصري تجاه الملف النووي الإقليمي لا ينطلق من ردود الأفعال، بل هو نهج مؤسسي راسخ يتجسد سنويًا في المبادرة المصرية المطروحة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر، بشأن تطبيق نظام الضمانات الشاملة في الشرق الأوسط.
جوهر هذه المبادرة هو إنهاء حالة "الازدواجية النووية" التي تسمح بوجود قدرات عسكرية خارج أي إطار رقابي، مقابل التزام دول أخرى بكافة قواعد الشفافية. ومن ثم، فإن الدعم الدولي المتزايد لهذه المبادرة يعكس إدراكًا متناميًا بأن تحقيق الأمن الحقيقي لن يتم إلا بتطبيق المعايير على الجميع دون استثناء.
ثالثاً: الطاقة النووية كحق مشروع وأداة للتنمية
في الوقت الذي نرفض فيه عسكرة التكنولوجيا النووية، نؤكد أن الاستخدام السلمي لها يمثل حقًا أصيلًا للدول وأداة رئيسية لتحقيق التنمية المستدامة.
وبالنسبة لمصر، فإن مشروع محطة الضبعة يجسد هذا التوجه من خلال:
- أمن الطاقة: توفير حمل أساسي (Base Load) مستقر يدعم استقرار الشبكة القومية.
- الاستدامة البيئية: طاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية تسهم في مواجهة التغير المناخي.
- التوطين التكنولوجي: بناء قاعدة صناعية متقدمة وتأهيل كوادر بشرية عالية الكفاءة.
واختتم الوكيل بقوله إن القضية اليوم لم تعد فقط منع الانتشار النووي، بل تحقيق العدالة في تطبيقه. فلا يمكن بناء نظام دولي مستقر في ظل استمرار سياسات الغموض النووي والكيل بمكيالين، ان المبادرة المصرية تمثل دعوة واضحة لإرساء نظام دولي عادل وشفاف، تتحول فيه الطاقة النووية إلى أداة للتنمية لا وسيلة للتهديد، ويخضع فيه الجميع لنفس القواعد بلا استثناء.
