لم يكن حبًا عابرًا، ولا انجذابًا سطحيًا يمكن تفسيره ببضع كلمات جاهزة. كان شيئًا أعمق، أكثر تعقيدًا، أقرب إلى لقاء داخلي بين فجوتين تعرفان بعضهما دون تعريف. أحببتك لأنك لم تكن كاملًا… ولأنك، بطريقة غامضة، كنت تشبه نقصي الذي أخفيه عن العالم وأتظاهر بنسيانه.
لم أحبك لأنك أنقذتني، ولا لأنك منحتني ما لم أملكه. أحببتك لأنك لمست فيّ شيئًا كنت أهرب منه. رأيت فيك ارتباكي، خوفي، احتياجي غير المعلن، وبدل أن أنفر… اقتربت. كأن روحي وجدت فيك مرآة لا تعكس ملامحي، بل تعكس ما ينقصني.
نحن لا نحب دائمًا من يكملنا كما يُقال، بل ننجذب كثيرًا إلى من يشبه تصدعاتنا. ننجذب إلى من يفهم صمتنا قبل كلامنا، لأن صمته يشبهه. نرتاح مع من يحمل نفس التناقضات، لأننا لا نحتاج أن نشرح أنفسنا أمامه. وكأن كل منا يقول للآخر دون كلمات: “أنا أعرف هذا الشعور… لقد عشته داخلي.”
كنتَ تشبهني في هشاشتي التي أُخفيها خلف قوة مصطنعة. تشبهني في الخوف من القرب رغم الحاجة إليه. تشبهني في التردد بين البقاء والهروب. ولهذا، كان الاقتراب منك مريحًا ومخيفًا في الوقت ذاته. مريح لأنك مألوف، ومخيف لأنك تكشفني.
الحب الذي يولد من التشابه في النقص ليس حبًا بسيطًا. هو حب يحمل في داخله احتمالات الشفاء… واحتمالات الانكسار أيضًا. لأننا لا نرى في الآخر فقط ما نحب، بل نرى ما نخاف أن نواجهه في أنفسنا.
أحيانًا كنت أشعر أنني لا أحبك أنت فقط، بل أحب النسخة مني التي تظهر معك. تلك النسخة الصادقة، الضعيفة، التي لا تتجمل ولا تختبئ. كنت تجعلني أواجه نفسي، دون أن تطلب مني ذلك. كنت مجرد حضور… لكنه كان كافيًا ليهز كل ما اعتقدت أنني أتجاوزه.
وفي المقابل، كنت أراك تهرب من نفس الأشياء التي أهرب منها. كنت أراك تتردد، تتراجع، تختبئ خلف مبررات منطقية تخفي خوفًا عميقًا. وبدل أن أبتعد، كنت أقترب أكثر. كأنني أحاول أن أنقذك… أو ربما أنقذ نفسي من خلالك.
وهنا يبدأ التعقيد.
لأن العلاقة التي تقوم على نقص مشترك، قد تتحول بسهولة إلى محاولة غير واعية للإصلاح. كل طرف يحاول أن يكون ما لم يجده الآخر، أو يعوضه عما ينقصه. ولكن الحقيقة الأكثر إيلامًا، أننا لا نستطيع أن نكمل بعضنا بهذه الطريقة. لأننا نبحث في الآخر عما لم نعالجه داخلنا.
كنت أظن أن فهمك لي يكفي ليستمر هذا الحب. كنت أظن أن التشابه قوة. لكنني اكتشفت أن التشابه في الجروح قد يكون عبئًا. لأننا بدل أن نداوي بعضنا، كنا أحيانًا نفتح نفس الجرح في الوقت نفسه… ولا أحد منا يملك الشجاعة الكافية ليبدأ الشفاء.
كان بيننا صمت طويل، ليس لأنه لا يوجد ما يُقال، بل لأن ما يجب أن يُقال كان مؤلمًا. كنا نؤجل المواجهة، نغلف الحقيقة بالمجاملات، ونترك المسافات تكبر بهدوء. كل منا ينتظر الآخر ليبادر، ليعترف، ليكسر هذا التردد… لكن لا أحد يفعل.
لأننا متشابهان.
حتى في الخوف.
حتى في الصمت.
حتى في الرغبة بالهروب.
وهذا هو الجانب الذي لا يُحكى كثيرًا عن هذا النوع من الحب. أنه جميل في بدايته، عميق في شعوره، لكنه يحتاج وعيًا كبيرًا ليستمر. يحتاج شجاعة لمواجهة الذات قبل مواجهة الآخر. يحتاج أن نعترف أن المشكلة ليست في الطرف الآخر، بل في تلك الأجزاء التي لم نتصالح معها داخلنا.
أحببتك لأنك كنت نقصًا يشبهني… لكنني لم أدرك أن هذا الحب يضعني أمام اختبار صعب: هل أستمر في الهروب معك؟ أم أواجه نفسي حتى لو أدى ذلك إلى فقدك؟
بعض العلاقات لا تأتي لتكتمل، بل لتكشف. تكشف ما نحاول تجاهله، ما نظن أننا تجاوزناه، ما نغلفه بالقوة بينما هو هش من الداخل. أنت لم تكن مجرد حبيب، كنت مرآة… مرآة صادقة لدرجة أنها أوجعتني.
أوجعتني لأنني رأيت نفسي فيك، بكل ما فيها من تناقضات. رأيت احتياجي وأنا أنكره، رأيت خوفي وأنا أتظاهر بالشجاعة، رأيت ضعفي وأنا أُصر على أنني بخير.
ومع الوقت، بدأت أفهم أن الحب لا يكفي وحده. الفهم لا يكفي، والتشابه لا يكفي. ما يكفي هو أن نكون مستعدين للعمل على أنفسنا. أن نتحمل مسؤولية ما نشعر به، لا أن نبحث عمن يحتويه فقط.
كنت أتمنى أن نستطيع أن نكون أفضل معًا، أن نكون سببًا في شفاء بعضنا. لكن الحقيقة أن الشفاء لا يأتي من الخارج فقط. لا يمكن أن أحبك لأصلحك، ولا يمكنك أن تحبني لتصلحني. كل منا عليه أن يبدأ بنفسه، حتى يصبح الحب إضافة، لا محاولة إنقاذ.
وهنا تغير المعنى داخلي.
لم أعد أراك فقط كشخص أحببته، بل كتجربة كشفتني. لم أعد أندم على هذا الحب، رغم تعقيده، لأنه علمني شيئًا لم أكن لأتعلمه بسهولة: أنني لا أحتاج إلى من يشبه نقصي… بل إلى من يساعدني على فهمه، ومواجهته، وربما تجاوزه.
وهذا لا يعني أنني لم أحبك بصدق. بالعكس، ربما كان هذا الحب من أصدق ما عشت. لكنه كان صادقًا لدرجة أنه لم يسمح لي أن أستمر في الوهم. لم يسمح لي أن أختبئ أكثر.
أحببتك لأنك كنت نقصًا يشبهني… لكنني اليوم أفهم أن الحب الحقيقي لا يكتفي بأن يشبهنا، بل يدفعنا لنكون أفضل. لا يعمّق الجرح، بل يضيء الطريق نحوه حتى نراه بوضوح.
بعض الأشخاص لا يأتون ليبقوا، بل ليوقظوا شيئًا داخلنا. ليضعونا أمام أنفسنا دون تجميل. ليجعلونا نسأل أسئلة كنا نؤجلها. وهذا ما كنت عليه بالنسبة لي.
كنت بداية فهم… لا نهاية حكاية.
وربما، في مكان ما داخل هذا الفهم، يوجد امتنان هادئ. امتنان لأنني رأيت نفسي بوضوح، حتى لو كان ذلك مؤلمًا. لأنني أدركت أنني لا أبحث عن حب فقط، بل عن توازن. لا أبحث عن من يشبه نقصي، بل عن من يفهمه دون أن يغرق فيه معي.
وفي النهاية، لم يكن الخطأ أننا تشابهنا… بل أننا لم نعرف كيف نتعامل مع هذا التشابه. لم نحوله إلى وعي، بل تركناه يقودنا إلى نفس الدوائر.
أحببتك لأنك كنت نقصًا يشبهني…
لكنني أتعلم الآن أن أحب نفسي بما يكفي، حتى لا أبحث عني في أحد.