قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر: الإهمال العاطفي

عصام محمد عبد القادر
عصام محمد عبد القادر

يعد الاستقرار النفسي الدعامة البنيوية، التي يقوم عليها الوجود الإنساني في سويته الرشيدة؛ إذ تمد العاطفة المتزنة جنبات الروح بروافد لا تنضب من الرضا والسكينة، وتؤهل الملكات الذهنية لامتلاك مرونة تتخطى عثرات الواقع بصبر جميل واستشراف متجدد، وفي المقابل يرمي إهمال الذات عاطفيًا بالإنسان في دهاليز الاغتراب ومضايق الشقاء، الأمر الذي يقوض طمأنينة النفس العميقة، ويعطل فاعلية توازنها الفطري؛ فتغدو الحياة في غياب هذا الاتزان صراعًا مريرًا مع التيه.

يشكل الإهمال العاطفي معولًا يهدم دافعية الإنجاز في كينونة الفرد؛ إذ يطفئ جذوة الطموح المتوقدة، ويعطل مسارات الإنتاجية الحيوية، الأمر الذي يفضي إلى اضطراب القيم الوجدانية النبيلة، واختلال المعايير الحاكمة والموجهة للسلوك في تجلياته المختلفة، وهذا بدوره يزج بالذات في دوامات التخبط، ويذكي نزعات الانعزال، التي تفرض سياجًا من الانطوائية، فتتقوض معها أركان الكيان الإنساني وتتعثر المسيرة نحو بلوغ الغايات المقصدية، لتصبح العزلة حينئذٍ عائقًا يحول دون تحقيق الوجود الفاعل.

تذبل حيوية الفطرة الإنسانية وتفقد نضارتها تحت وطأة الجفاء الوجداني؛ إذ يولد الإهمال العاطفي حالة من الانكفاء القسري على الذات، ويصير معها فعل الإعراض نمطًا سلوكيًا مستساغًا؛ فيغدو التراجع والانسحاب ملاذًا وهميًا يقوض الاندفاعة الحيوية للفرد في محيطه، ويحيل مقتضيات التفاعل الإنساني إلى صمت موحش يغتال إشراقة الروح، ويمزق نقاءها الفطري؛ لتؤول تلك العزلة في نهاية المطاف إلى قيدٍ يمنع النفس من ممارسة كينونتها الطبيعية وسط هذا الوجود.

تتآكل بيئة التفاعل الخلاق بفعل القحط، أو التصحر الوجداني، حين يحرم الإهمال العاطفي النفس من موارد نضارتها؛ فيجف معين الشغف وتندثر دوافع الاكتراث المحركة للبواعث الأولية للإنسان، الأمر الذي يؤدي حتمًا إلى قطيعة شعورية مع كل ما كان يمثل قيمة نبيلة، أو خلقًا فضيلًا في مدارات الاهتمام ولب العلاقات، وهنا يبرز التبلد كحائل يقيد قدرة الذات على العطاء؛ فتفقد الروابط الإنسانية عمقها الحيوي؛ فتغدو وشائج الاتصال في كنف هذا الجدب الوجداني الموحش رسومًا بالية، ينقصها الشريان المحرك للذات؛ فتنقلب أصداء غابرة ضل عنها السبيل في واقع العلاقات الراهن.

يتسرب الحب الكامن في الوجدان في غمرة الإهمال العاطفي؛ لتتنامى في إثره مشاعر الاقتلاع حتى تبلغ ذروتها القصوى؛ فتغدو النفوس حبيسة في مهجر الحرمان، فاقدة للأمان الوجداني، ومفتقرة إلى مناعة الروح ضد كدرات القلوب؛ إذ ينقطع حينها رجاء العطاء، وتنكشف الذات أمام وطأة الخواء، الذي لا يفرق بين تعمد الإساءة، أو الغفلة، أو التجاهل، وهذا ما يبرهن على أن غياب التعهد العاطفي يورث تشتتًا يمزق النسيج الشعوري، ويترك الكيان الإنساني عرضة للضياع في مفاوز الوحدة واغتراب الروح.

يمثل التلذذ بممارسة الإهمال العاطفي خروجًا صريحًا عن فلسفة الضوابط الأخلاقية والقيم النبيلة وكافة صور الشمائل الإنسانية؛ إذ يهدر هذا المسلك أسس النضج في العلاقات القائمة على المصداقية والتعامل القويم؛ فالتراحم والمحبة الخالصة هما ميثاق الروح الضامن لاستقامة الوجدان وسلامة المسيرة، وبدونهما يتلاشى أساس التفاعل وتنقض أواصر الألفة في سياقات التواصل البشري قاطبة؛ مما يحيل الروابط المتينة إلى مجرد هياكل خاوية تفتقر إلى النبض والحياة، ويجعل من القطيعة الوجدانية مصيرًا يهدد تماسك المجتمع الإنساني.

تتقوض عرى المودة وتنحسر المرتكزات العاطفية في ذات الإنسان؛ لتنتهي به إلى ارتهان النفس لصنوف الهواجس ومضايق الظنون؛ حيث تتزعزع القناعات الراسخة وتتبدد الثقة التي تمثل قوام الروابط البينية، فتضطرب الاستجابات السلوكية بعيدًا عن مقتضيات الانضباط، وهذا ما يفضي بالضرورة إلى غياب فقه الإيثار عن الوجدان، ووأد العفوية الفطرية تحت وطأة التوجس المرير، مما يحيل كينونة المرء إلى كيان قلق، يفقد ماهيته الإنسانية القائمة في طبيعتها على السلم النفسي، ويستحيل معها الأمان الوجداني إلى حلم بعيد المنال في ظل هذا الاغتراب الشعوري.

يفضي الإهمال العاطفي إلى انفكاك الروح عن كينونتها السوية؛ فتتقوض مقومات السمو النفسي، وتتزعزع ثوابت المعتقد الوسطي في الإدراك، الأمر الذي يشوش الحالة الذهنية، ويهدد بغياب حارس القيم المتيقظ في الذات، وهنا تنكشف حياة الفرد أمام تحديات عاصفة تنال من سيرته الخيرة وتعطل مسيرة ارتقائه في معترك تفاصيل الحياة؛ إذ يغدو الخواء الوجداني ثغرة ينفذ منها الشتات، ليحول بين المرء وبين بلوغ مراتب النضج، التي تقتضي تماسكًا داخليًا يقي النفس غوائل الانكسار والتيه.

يفضي غياب وضوح المقاصد إلى زعزعة ركائز الألفة بين المكنون الذاتي وبين الآخر، فتصير الروابط اضطرابًا يربك الوجدان ويدفع بالعلاقة نحو بوتقة تيه الشكوك ومتاهات الظنون، الأمر الذي يولد ردود فعل متنافرة تعجل بالولوج في دائرة القطيعة، وتعمق فجوات الجفاء، ومن هنا تصبح النهاية الحتمية لهذه المسارات هي العزلة الموحشة، التي تقتات على بواعث الصد وتكرس مآلات التباعد؛ إذ لا يمكن لوشائج القربى أن تستقيم في ظل غموض المقاصد وضبابية النوايا، التي تغتال لب الثقة، وتبدد طمأنينة التواصل الإنساني.

تلتهب نار النزاعات، وتستشري مشاعر الريبة والانسحاب، حينما يهمش الوجدان وتُهمل لغة القلوب، فتتراكم الهموم وتتجذر القسوة في الأرواح، موهنةً قوى الصمود أمام ضغوط الواقع العاتية، الأمر الذي يحرم النفس سكينتها الفطرية، ويعيقها عن بلوغ مدارات الحب النقي الطاهر، وهنا تتبدل حقيقة الكيان لتصير الحياة ساحة للصراع المرير عوضًا عن كونها واحة للتراحم والوئام؛ إذ يؤدي غياب الرعاية الوجدانية إلى جفاف المنابع الإيجابية لدى المرء، مما يجعل التباعد مصيرًا يفرضه القحط الشعوري، الذي يغتال بريق المودة، ويهدم جسور التلاقي بين الذوات.

يورث تهميش العاطفة وهنًا في الروح، ويجعل النفس أعجز عن مقاومة عواصف الحياة، أو تحمل شدائدها المباغتة؛ ففاقد الاحتواء يعيش بعثرةً تفكك روابط ذاته، وتفقده لذة العطاء، وتخمد فيه شعلة الإصرار المتوقدة، الأمر الذي يحول بينه وبين بلوغ مدارات التنافسية، أو اعتلاء منابر الابتكار، وهنا تظل الطاقات مكبلةً في أغلال الإهمال والركود؛ إذ يمثل السند الوجداني الوقود المحرك للإرادة، وبدونه يتحول الكيان الإنساني إلى طاقة معطلة، ينهشها الإحباط، وتتقاذفها أمواج الفشل في معترك الطموح.

يشكل استرداد الأمان العاطفي درعًا حصينًا، يقوي مناعة الروح أمام تقلبات الزمن وشدائده؛ إذ يمنح المرء ثباتًا انفعاليًا يمتص الصدمات ويُصيِّره قادرًا على مقارعة النوازل بعزيمة صلبة وإرادة لا تلين؛ فيغدو الرضا بالقدر واليقين بحكمته سمة أصيلة، تعزز صموده الإنساني، وتشرع آفاق السكينة في مواجهة تحديات الحياة، وهذا التماسك الوجداني هو ما يقي الذات من الانكسار تحت وطأة المتغيرات؛ فيحول تمزق النفس إلى طمأنينة، تستشرف المستقبل بقلب تملئه السكينة، وعقل راجح؛ لتستقيم به مسيرة الحياة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.