كانت حارة الإمام علي تصحو ببطء، كأنها تفتح عينيها على مهلٍ لا يعرف العجلة. الماء في الترعة يلمع مع أول الضوء، والنسيم يمرّ خفيفًا فوق الغيطان، يحمل أسماء أصحابها كما لو كان يحفظها عن ظهر قلب. البيوت منخفضة، والأبواب من خشبٍ تقيل، والأرض تعرف من يمشي فوقها… تحفظ خطاه، وتفرّق بين الغريب وصاحب المكان.
في الحارة، لا يُقاس الرجل بطوله، بل بثقله حين يقف، وبالصمت الذي يتركه خلفه إذا تحرّك. الكلام قليل، لكنه محسوب، والنظرات تقول ما لا يُقال. هناك، الهيبة لا تُكتسب فجأة، بل تُورَّث كما تُورَّث الأرض، جيلًا بعد جيل.
ومن هذا الهدوء الثقيل، خرج علام.
لم يأتِ صاخبًا، ولا احتاج أن يعلن عن نفسه. كان حضوره يسبق صوته، وظله يكفي ليُفسح له الطريق. جسده ضخم، كأنه نبت من طين الحارة، وعقله أهدى من شكله، يعرف متى يشدّ الأمور، ومتى يتركها تسير وحدها حتى تنتهي. لم يكن يشرح، ولم يكن يبرر… كل شيء عنده محسوب قبل أن يحدث.
ومع الوقت، صار اسمه يُقال بنبرة مختلفة. لا خوفًا فقط، ولا احترامًا فقط، بل مزيجًا لا يُفهم بسهولة. الليل كان يعرف خطواته، والجدران الطينية تحمل أثر كتفيه، وفي كل زاوية حكاية مرّت به ولم تُروَ.
على كتفه الأيسر، كان اسم "صافي" ساكنًا… لا يتغير، ولا يبهت. لم يتزوجها، ولم يتكلم عنها كثيرًا، وإذا ذُكرت، قال بهدوء: "الست صافي". كأن الاسم وحده لا يكفي، وكأن المسافة هي الشكل الوحيد الممكن للحب.
لم يقل إنه يحبها، لكنه كان يغلق الحارة من أجلها. يومًا، توقّف كل شيء… لا خصومة ولا شجار، فقط صمتٌ واضح يقول إن الطريق لن يُفتح إلا حين تمرّ هي. ومن أجلها أيضًا، دخل عِرَكًا كثيرة، لا ليُثبت قوته، بل ليؤكد أن اسمها لا يُمس، وأن الوصول إليها ليس أمرًا سهلًا.
كان يخرج من كل عركة وفيه أثرها، جروح واضحة، وخطوة ثابتة. يمرّ من تحت شباك دارها مرفوع الرأس، كأن الألم جزء من هيبته، وكأن الخسارة الوحيدة هي أن يُقال يومًا: علام خاف.
لكن الحارة لم تكن وحدها من ترى. أهلها رأوا ما يكفي ليخافوا… لا منها، بل منه. من اسمه، ومن ظله، ومن المستقبل الذي قد يفرضه. فاختاروا الرحيل بها، إلى القاهرة.
في البداية، كانت تعود. زيارات متباعدة، لكنها موجودة. ثم بدأت تقلّ… مرة بعد مرة، حتى صار الغياب أطول من الحضور، ثم صار هو الأصل.
وعلام… لم يكن من الذين ينتظرون طويلًا.
ذهب إليها.
دخل القاهرة كما يدخل الغريب عالمًا لا يعرفه. لا أحد ينظر إليه، ولا أحد يفسح له الطريق. الناس تمشي مسرعة، تصطدم به دون أن تعتذر. الصبية يمرّون بجانبه بلا خوف. هو الذي كانت الشياطين في قريته تتجنّب السير بقربه.
هناك، فهم شيئًا لم يفهمه من قبل. أن الفتونة لا تسافر مع صاحبها، وأن الهيبة تُترك خلف الحدود، وأن الجسد وحده… لا يصنع مكانة.
بحث عنها طويلًا. سأل، وتاه، ووصل ثم ضاع، حتى وجدها أخيرًا.
لم تكن كما تركها.
كانت أهدأ… أثقل… كأن الحياة مرّت عليها وأعادت تشكيلها. تعمل، تُطيع، وتصمت أكثر مما ينبغي. نظر إليها، منتظرًا أن يتغيّر شيء… أن تتوقف اللحظة… أن يعود الزمن خطوة إلى الخلف.
لكن لا شيء حدث.
لم يره أحد.
ولم تتوقف الدنيا.
في تلك اللحظة، عرف أن ما كان يحمله لم يعد كافيًا. وأن العالم هنا لا يعرفه، ولا ينتظر أحدًا.
عاد.
عاد أخفّ مما كان، وكأن شيئًا كبيرًا تُرك هناك، ولم يرجع معه. لم ينتظرها بعد ذلك، ولم يحاول مرة أخرى.
ومرّ العمر.
نحل الجسد، وتهدّل الجلد، واختفى اسم "صافي" وسط كرمشة لحمه ، كما لو أنه يختبئ داخل الذاكرة لا على الجلد.
وفي آخر أيامه، مال على ابنه، واقترب منه، وقال بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"ربنا ضعفني بصافي… عشان ملك الموت يقدر عليّا."
ومضت.
ماتت الفتونة قبل أن يموت علام، وبقي منه جسد يحمل ما تبقى من حكاية. لكن الاسم… لم يختفِ. ظلّ يُحكى، يتردد بين الناس، أثقل من أي قوة، وأصدق من أي صمت.
لأن الفتوة تزول…
لكن ما كان حقيقيًا، لا يموت.
**من وحي الحارة المصرية