تنبعث غيرة الأنثى من أعماق وجدانها، بوصفها استجابة فطرية لصيانة كينونتها، واستنهاضًا لمكامن الشعور الدفين تجاه خصوصية أنوثتها، التي لا تقبل الشركة أو الانتقاص؛ إذ يتبدى هذا الانفعال في صورة حِميّة متوهجة، تذود بها عن حياض ذاتها الأنثوية، وتستبسل في حماية عالمها الوجداني، من أي اختراق يمس وقار حضورها، أو يخدش نرجسية استحقاقها الفطري للسيادة والتميز.
غيرة الأنثى سياجٌ وجدانيٌّ رفيع، يفيض من عمق الانتماء لا من توجُّس النقص؛ فهي ثورة الكبرياء حين يرفض القلب أن يُركن في زوايا الاعتياد، وإعلانٌ صريحٌ بأنَّ وجودها استثناءٌ لا يقبل القسمة؛ حيث ترسم بلهيب عاطفتها حدودًا منيعة، تجعل من وجودها محورًا وحيدًا، يستعصي على التهميش، ويستقرُّ في عين الحبيب كأوَّل المبتدأ وآخِر المنتهى.
تستشعر الأنثى في تلك اللحظة الفارقة غيرةً تتدفق في عروقها كأنها زلزلةٌ وجدانيةٌ تكتسح طمأنينة عالمها الخاص؛ إذ يتبدى لها الأمر وكأنه انتقاصٌ جائرٌ من فرادتها المعهودة، ونيلٌ من هيبتها العاطفية التي لا تقبل التجزئة؛ فيتحول هذا الشعور إلى ذروة الانكسار الروحي وأقسى درجات الإحباط النفسي، كونها توقن تمام اليقين أن في هذا الموقف تقويضًا لرفعة مكانتها وإهانةً بالغةً لمقام أنوثتها.
تعتري الأنثى في لحظة الغيرة لوعةٌ تجعل نفسها ترفض المقارنة، أو الوضع في ميزان المفاضلة مع غيرها؛ فتغدو خلجات نفسها مزيجًا من الأنفة الجريحة، والمقاومة الصامتة، التي تسعى جاهدة لاسترداد جلال هيبتها المستحق، وتأكيد محوريتها غير القابلة للاستبدال أو الإقصاء في قلب من تحب، صيانةً لفرادتها المعهودة من أي انتقاص يطال هيبتها العاطفية، ويقوض مقامها الرفيع.
تضمحل طاقة البذل وتتلاشى فاعلية العطاء لدى الأنثى، حينما تُطعن في كينونتها، وتُستفز لواعج غيرتها؛ إذ تنهمر في عروقها انفعالات القلق، التي تعكر صفو استقرارها الوجداني، وتذهب بصفاء سريرتها المعهود؛ فتتبدل تلك الوادعة إلى صخب داخلي يطفئ شعلة الإنتاج، ويحبس دفق المشاعر الصادقة؛ فيغدو الحضور باهتًا، وتغيب الرغبة في التضحية، حين تشعر أن مركزيتها العاطفية قد مسها الضيم أو نالها الاستبعاد.
يجف منبع الحنان الذي كان يفيض احتواءً وسكنًا، حين يتبدد الأمان النفسي للأنثى، لتتحول غيرتها من انفعالٍ إلى سدٍّ منيع، يقطع أوصال التواصل الروحي، ويصيب ملكات الرعاية بالشلل؛ فالتوازن الوجداني هو المورد الأساس لتدفق حيويتها، وبانكساره أمام هواجس الغيرة تذبل روح المبادرة، ويفقد المحيط ذاك الدفء الذي كان يستمده من فيض سخائها، لتغدو لوعتها عائقاً يحول دون العطاء.
تتخذ الأنثى موقفًا حاسمًا تجاه غليان غيرتها الكامن بما ينسجم مع تكوينها النفسي؛ إذ تتشكل ملامح ردود فعلها في قوالب شعورية شتى؛ فقد يكون موقفها قاسيًا يغلفه العتاب المرير والصدود الوجداني الذي يزعزع طمأنينة المقابل، وقد يكون قاطعًا يبتر صلات الوصل ويضع حدًّا فاصلاً بين ماضٍ من المنح وحاضرٍ من الكبرياء المتعالي على جراح كرامتها التي استُفزت بتباريح الغيرة المشتعلة.
يتجاوز الأمر حدوده ليرسم موقفًا مهلكًا يستنزف الروح ويحرق أخضر الذكريات ويابس الآمال في ثورة وجودية لا تبقي ولا تذر؛ فهي حين تضع كرامتها في كفة الغيرة تختار مساراتٍ تعيد هيبتها المفقودة، ولو كان الثمن باهظًا؛ إذ تمثل هذه المواقف الحاسمة إعلانًا صريحًا عن استرداد ملكية الذات، وترميم تصدعات الكيان الأنثوي الذي يأبى الاستلاب، وتأكيدًا جليًا على أن غيرتها دفاع مشروع عن نبل حظوتها.
تضل الأنثى جادة الصواب وتغيب عن بصيرتها حقائق جلية نتيجة سطوة الغيرة المفرطة التي تكتسح بضبابيتها منافذ الإدراك وتطغى على صوت العقل؛ إذ تغدو تلك المشاعر المتأججة حجابًا كثيفًا يصرف وجهتها عن قراءة الأحداث بموضوعية؛ فتختلط في مخيلتها الظنون باليقين، وتنساق خلف ظنون قلقة تشوه المرئيات وتجعل من الهباء حقائق دامغة لا تقبل الجدل، فينكفئ المنطق أمام اندفاع ثورتها العاطفية المستعرة.
تتفاقم سطوة الغيرة فتفقد الأنثى مع تمادي هذا الوجل الوجداني القدرة على التمييز بين حقيقة الود وزيف الأوهام، مما يوقعها في فخ تأويلاتٍ قاصرة تستنزف طاقتها الذهنية وتفقدها توازنها النفسي، ذاك التوازن الذي يشكل ركيزة استيعاب المعاني وتفسير المقاصد في سياقها الصحيح، بعيدًا عن صخب الانفعالات العاصفة التي تذكيها حُرقة الغيرة وتدفع بالبصيرة نحو غياهب الشك والاضطراب.
تتوحد ماهية الغيرة في أعماق الوجدان الأنثوي بوصفها غريزةً ضاربةً في جذور الفطرة، لا تتباين مهما اختلفت الظروف أو تبدلت الأحوال؛ إذ يظل هذا الانفعال العاطفي عصيًا على التحييد، بغض النظر عن نمط الثقافة، أو طبيعة البيئة، التي استقت منها الأنثى معارفها؛ فهي لغة وجدانية مشتركة، تفيض من صميم تكوينها، لتؤكد أن جذوة الغيرة قدرٌ فطري يسبق أثر التربية والتعليم.
تحمل الأنثى في حقيقة تكوينها طبيعةً متفردةً تلتقي عند نقطة الريادة الوجدانية ورفض الشراكة في الاستحقاق القلبي؛ وما العوامل الخارجية إلا قشورٌ تتبخر عند ملامسة لظى الغيرة لكينونة الذات التي لا تقبل التجزئة، لتبقى تلك الغيرة هي اللغة الجامعة والسمة الغالبة التي تعلن عن وحدة الكيان الأنثوي في مواجهة كل ما يهدد خصوصيتها، مؤكدةً أن نيرانها تنبع من أصل الجبلّة.
يُعد فيض حب الأنثى المتقد ومنبعه الدافق سببًا رئيسًا في تأجج فرط غيرتها واستعار تباريحها التي لا تنفصل عن صدق العاطفة وعمق الانتماء؛ إذ تتبدى هذه الغيرة مرآةً عاكسة لمدى استئثار المحبوب بمساحات الروح وتملكه لمفاتن الوجدان، ومما لا ريب فيه أن هذا التدفق الشعوري يشكل حقًّا أصيلاً من حقوق وجودها التي بذلت الود في أبهى صوره، فغيرة الأنثى برهانٌ ساطع على صدق سريرتها.
يتحتم على الطرف الآخر احترام هذا النزوع الفطري وتقدير جوامح غيرة الأنثى بعين الرعاية والاحتواء لا بعين الضيق؛ فالمسألة تتجاوز الانفعال لتصبح عهدًا وثيقًا من الوفاء يتطلب تفهمًا عميقًا لدوافع القلب التي تأبى المقاسمة وتغار على مواطن القرب؛ وبذا يغدو استيعاب هذا الفائض من الغيرة دعامةً أساسية لاستمرار الوئام وصيانة سياج المودة من التصدع، تقديرًا لصدق عاطفتها التي لا ترضى بغير التفرّد مقامًا.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
د. عصام محمد عبد القادر يكتب: غيرة الأنثى