لا يزال ملف المعاشات والتأمينات الاجتماعية يتصدر عمليات البحث واهتمامات الرأي العام ، وذلك بعد التصريحات الرسمية الصادرة عن نقابة أصحاب المعاشات والمطالبات المتكررة برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 4 آلاف جنيه شهرياً.
وفي نفس الوقت هناك مشروع قانون جديد للمعاشات مازال قيد الدراسة والمناقشة داخل أروقة مجلس النواب، والذي يتضمن تعديلات جوهرية تهدف إلى تحسين أوضاع أصحاب المعاشات، ومن أبرزها زيادة المعاشات السنوية بنسبة قد تصل إلى 20%، وربطها بمعدلات التضخم لمواكبة الارتفاع المستمر في الأسعار وتكاليف المعيشة.
أعلى معاش عند التقاعد لا يتجاوز 5300 جنيه
قال إبراهيم أبو العطا، الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات، في تصريحات هامة خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "الحكاية" المذاع عبر قناة MBC MASR مساء الأحد، إن الحد الأدنى الحالي للمعاش يبلغ 1755 جنيهاً فقط، مشيراً إلى أن أعلى معاش يمكن أن يحصل عليه الموظف عند الخروج على المعاش لا يتجاوز 5300 جنيهاً شهرياً، مهما كان راتب هذا الموظف قبل التقاعد وارتفاع قيمة اشتراكاته التأمينية طوال سنوات خدمته.
وصف صادم: "النزول من الدور العاشر على الأرض"
وصف أبو العطا الانخفاض الكبير والحاد في قيمة دخل الموظف الشهري بعد الخروج على المعاش بأنه أشبه بـ"النزول من الدور العاشر على الأرض"، في تعبير صادم يعكس حجم المعاناة التي يعيشها أصحاب المعاشات الذين كانوا يتقاضون رواتب مرتفعة أثناء خدمتهم، ثم يفاجأون بعد التقاعد بأن قيمة معاشهم لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للحياة الكريمة، خاصة في ظل موجة التضخم العالمية وارتفاع الأسعار المستمر.
مطالبات برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 4 آلاف جنيه
أشار الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات إلى أن عدد المستفيدين من منظومة المعاشات في مصر يصل إلى حوالي 11 مليون شخص، يمثلون أصحاب معاشات وورثة المستحقين، مطالباً الحكومة والبرلمان بسرعة التدخل لرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى مستوى يضمن للمواطن حياة كريمة تليق بالكرامة الإنسانية، ويحقق له ولأسرته الحد الأدنى من متطلبات العيش اللائق.
4% فقط عوائد استثمار أموال المعاشات منذ 1981
أوضح أبو العطا أن السبب الرئيسي والجوهري وراء الأزمة المالية التي يعاني منها أصحاب المعاشات حالياً هو سوء استثمار أموال المعاشات المتراكمة على مدار عقود طويلة، حيث لم تحقق هذه الأموال عوائد استثمارية مجزية تتناسب مع حجمها الضخم وتطورات الأسواق المالية.
وأضاف أن أموال التأمينات والمعاشات كانت تُستثمر منذ عام 1981 وحتى وقت قريب بعوائد لا تتجاوز 4% فقط سنوياً، وأحياناً تصل إلى 6% في بعض السنوات، وذلك من خلال أدوات استثمارية محدودة مثل الصكوك الثابتة والأذون منخفضة المخاطر، رغم وجود عوائد استثمارية مرتفعة في السوق كانت تصل إلى 14% و15% و17% في بعض الفترات.
وتابع: "اللي كنا بنحوشه على مدار سنوات طويلة لم يستثمر بشكل صحيح من سنة 1981، حيث كان يتم استثماره بفائدة 4 إلى 6% فقط عبر صكوك ثابتة وآمنة، رغم وجود فرص استثمارية بعوائد 14 و15 و17% كان يمكن الاستفادة منها لتعظيم قيمة أموال المعاشات وزيادة موارد الصناديق التأمينية".
تعديل نسبة زيادة المعاشات السنوية إلى 20%
أضاف الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات أن النقابة تطالب الحكومة ومجلس النواب بمنح أصحاب المعاشات منحاً استثنائية ومقطوعة في المناسبات والأعياد الدينية والوطنية (مثل عيد الفطر، عيد الأضحى، عيد الميلاد، ثورة يناير، ثورة 30 يونيو، 6 أكتوبر)، وذلك لتخفيف الأعباء المالية عنهم في فترات ارتفاع معدلات الاستهلاك والإنفاق.
كما طالب بتعديل نسبة الزيادة السنوية للمعاشات بحيث لا تقل عن 20% سنوياً، مع وضع حد أدنى ثابت لقيمة الزيادة (مثلاً لا تقل عن 300 أو 400 جنيه شهرياً) لضمان تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية بين أصحاب المعاشات الصغيرة (الذين قد لا تشكل نسبتهم المئوية قيمة مجدية) وأصحاب المعاشات الكبيرة (الذين يستفيدون أكثر من النسبة المئوية).
مشروع قانون لأصحاب المعاشات تحت قبة البرلمان
من ناحية أخرى، هناك مشروع قانون جديد خاص بأصحاب المعاشات مقدم من إحدى النائبات في مجلس النواب (هناء فاروق، عضو مجلس النواب)، وذلك لتعديل بعض مواد قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وتحسين الأوضاع المالية والمعيشية لأصحاب المعاشات والمستحقين.
ومازال مشروع القانون قيد الدراسة والمناقشة والمراجعة من قبل اللجان النوعية المختصة تحت قبة البرلمان (لجنة القوى العاملة، ولجنة الخطة والموازنة، ولجنة التضامن الاجتماعي)، وذلك تمهيداً لعرضه على الجلسات العامة للتصويت النهائي وإقراره.
أبرز تعديلات مشروع قانون المعاشات
يتضمن مشروع القانون الجديد تعديلات جوهرية على عدد من المواد القانونية المنظمة للمعاشات والحقوق التأمينية، بما يضمن زيادة دورية أكثر ارتباطاً بالمتغيرات الاقتصادية (معدلات التضخم وارتفاع الأسعار)، وليس مجرد زيادة شكلية رمزية لا تتناسب مع حجم التحديات المعيشية.
أولاً: تعديل المادة (35) – زيادة سنوية للمعاشات بنسبة التضخم بحد أقصى 20%
ينص التعديل المقترح للمادة (35) على صرف زيادة سنوية دورية للمعاشات المستحقة حتى 30 يونيو من كل عام، بحيث تُطبق هذه الزيادة اعتباراً من اليوم الأول من شهر يوليو من كل عام، بنسبة تعادل متوسط معدل التضخم السنوي المسجل خلال العام السابق، على ألا تتجاوز قيمة هذه الزيادة نسبة 20% في جميع الأحوال.
كما حدد المشروع آلية تمويل هذه الزيادة بوضوح، بحيث يتحمل صندوق التأمين الاجتماعي جزءاً من التكلفة الإجمالية للزيادة (من عوائد استثماراته)، بينما تتحمل الخزانة العامة للدولة باقي القيمة المتبقية (دعم إضافي من موازنة الدولة)، مع اعتبار هذه الزيادة جزءاً لا يتجزأ من أصل المعاش عند احتساب أي زيادات مستقبلية.
ثانياً: تعديل المادة (23) – زيادة الحقوق التأمينية
شملت التعديلات المقترحة أيضاً المادة (23) الخاصة بالحقوق التأمينية للمؤمن عليهم (التي تُصرف في حالات العجز الكامل أو الوفاة أو بلوغ سن التقاعد)، إذ نص المشروع على زيادة هذه الحقوق بنسبة تعادل متوسط معدل التضخم السنوي، وبحد أقصى 20%، وذلك عن كل سنة كاملة من مدة الاشتراك التأميني للمؤمن عليه وحتى موعد استحقاق هذه الحقوق.
ثالثاً: تعديل المادة (156) – إعادة احتساب الأجر التأميني
فيما يتعلق بحساب الأجر أو الدخل التأميني الذي يتم على أساسه تحديد قيمة المعاش، تضمن مشروع القانون تعديل المادة (156) لإعادة احتساب أجر أو دخل التسوية الخاص بمدة الاشتراك في تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، مع إضافة زيادة سنوية مرتبطة بمعدل التضخم (بحد أقصى 20%) عن كل سنة ميلادية منذ بدء تطبيق القانون الحالي وحتى تحقق واقعة الاستحقاق (بلوغ سن المعاش أو الوفاة أو العجز الكامل).
رابعاً: استحداث مادة جديدة (25 مكرر) – مكافأة لذوي المدد التأمينية الطويلة
استحدث مشروع القانون مادة جديدة برقم (25 مكرر) لم تكن موجودة في القانون الحالي، تمنح المؤمن عليهم الذين تجاوزت مدة اشتراكهم التأميني 35 عاماً (أي أنهم استمروا في العمل والاشتراك بعد استيفاء المدة المطلوبة للحصول على الحد الأقصى للمعاش) مكافأة تصرف دفعة واحدة (كاش).
وتُحتسب هذه المكافأة بواقع 15% من الأجر السنوي للمؤمن عليه عن كل سنة إضافية زائدة على المدة المطلوبة للحصول على الحد الأقصى للمعاش (أي عن السنة 36، 37، 38، وهكذا).
خامساً: استحداث مادة جديدة (156 مكرر) – الاستمرار في العمل بعد سن الستين لتكملة المدة التأمينية
تضمن المشروع كذلك مادة جديدة برقم (156 مكرر)، تسمح للمؤمن عليه (الموظف) بالاستمرار في العمل لدى نفس جهة عمله أو الالتحاق بوظيفة جديدة (في القطاع الخاص أو العام) بعد بلوغ سن الستين (سن المعاش القانوني)، وذلك في حالة عدم استكماله مدة الاشتراك التأميني اللازمة (120 شهراً – 10 سنوات) للحصول على معاش الشيخوخة.
كما أجاز هذا التعديل المقترح لصاحب العمل الاستمرار في سداد الاشتراكات التأمينية للعامل بعد بلوغه سن المعاش، وذلك بما يساعد هذا العامل على استكمال المدة المطلوبة (10 سنوات) لاستحقاق المعاش، بدلاً من حرمانه من المعاش نهائياً أو صرفه بنسبة أقل.
آمال وتطلعات أصحاب المعاشات
ومع اقتراب مناقشة مشروع القانون في البرلمان، تتجه أنظار ملايين أصحاب المعاشات والمستحقين إلى قبة البرلمان، على أمل أن يتم إقرار هذه التعديلات بأسرع وقت ممكن، وبما يحقق طموحاتهم في حياة كريمة وعيشة لائقة بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء لخدمة الوطن.



