في تصعيد جديد يعكس استمرار التوتر بين الهند وباكستان، وجه قائد الجيش الهندي الجنرال أوبيندرا دويفيدي رسالة شديدة اللهجة إلى إسلام آباد، محذرًا من عواقب استمرار دعم الجماعات الإرهابية وتنفيذ عمليات تستهدف الهند.
وجاءت تصريحاته خلال فعالية عسكرية بالعاصمة الهندية نيودلهي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تجدد المواجهات بين الجارتين النوويتين، خاصة مع إحياء الذكرى السنوية لعملية “سيندور” التي نفذها الجيش الهندي العام الماضي، وسط تأكيدات هندية متواصلة على تبني سياسة الرد الحاسم تجاه أي تهديدات أمنية.
مهران: التصعيد الهندي الباكستاني يعكس توترات محسوبة لكن السلاح النووي يمنع الحرب الشاملة
أكد الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام عضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي أن التهديدات الهندية الأخيرة لباكستان وتعليق نيودلهي معاهدة مياه نهر السند تعكس تصعيداً محسوباً في إطار صراع تاريخي حول كشمير، مؤكداً أن امتلاك الطرفين أسلحة نووية يخلق حالة من الردع المتبادل تمنع انزلاقهما نحو حرب شاملة رغم خطورة التوتر الحالي.
وأوضح الدكتور مهران في حديث خاص لـ صدى البلد ، أن مواجهة مايو 2025 التي استمرت أربعة أيام شهدت تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، مشيراً إلى أن الضربات تجاوزت كشمير لتصل مناطق قرب المدن الكبرى للمرة الأولى في العصر النووي، موضحاً أن التقارير تحذر من حرب مقبلة ستكون أكثر تدميراً لكنها قد تستبعد السلاح النووي لصالح تكتيكات حديثة بعيدة المدى.
وبين مهران أن تهديد الهند بوقف تدفق المياه لباكستان عبر تعليق معاهدة السند الموقعة عام 1960 يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، مشيراً إلى أن المادة 2 فقرة 3 من ميثاق الأمم المتحدة تلزم الدول بحل منازعاتها بالوسائل السلمية، موضحاً أن استخدام المياه كسلاح ينتهك حقوق الإنسان الأساسية للشعب الباكستاني في الحصول على المياه.
وأشار إلى أن امتلاك كل من الهند وباكستان بين 170 إلى 180 رأساً نووياً يخلق ما يعرف بالتدمير المتبادل المؤكد، مؤكداً أن هذا الردع النووي يجعل الحرب الشاملة غير واقعية رغم التصعيد الخطابي، موضحاً أن التفوق المالي الهندي الكبير بميزانية دفاع 74 مليار دولار مقابل 10 مليارات لباكستان لا يلغي قدرة إسلام آباد الردعية.
واضاف أستاذ القانون الدولي أن قرار الأمم المتحدة 47 لعام 1948 يدعو لإجراء استفتاء في كشمير لتحديد مصيرها، موضحاً أن رفض الهند تنفيذ هذا القرار لأكثر من 75 عاماً يشكل تجاهلاً للشرعية الدولية، مؤكداً أن جذور الصراع تعود لتقسيم الهند البريطانية عام 1947 دون حسم قانوني واضح لوضع كشمير.
و شدد مهران بالتأكيد على أن احتمالات الحرب الشاملة ضعيفة رغم خطورة التصعيد، محذراً من أن الاشتباكات المحدودة قد تتحول لمواجهة أوسع بالخطأ، مؤكداً أن القانون الدولي يوفر آليات سلمية لحل النزاع عبر التحكيم والوساطة الدولية لكن الإرادة السياسية غائبة لدى الطرفين.
تصاعد التوتر بين نيودلهي وإسلام آباد يفتح الباب أمام سيناريوهات الحرب المحدودة والاحتواء الدولي
أكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور سعيد الزغبي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد أن التصريحات الهندية الأخيرة التي حملت تهديدًا مباشرًا إلى باكستان، والتي وصفتها بعض وسائل الإعلام بأنها رسائل تتحدث عن “إمكانية زوال الدولة الباكستانية إذا استمرت في سياساتها الحالية”، تعكس تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق في طبيعة الخطاب السياسي والعسكري بين القوتين النوويتين في جنوب آسيا
وأوضح الزغبي أن التهديدات المتبادلة بين الهند وباكستان ليست جديدة، إلا أن خطورة المرحلة الحالية ترتبط بالسياق الإقليمي والدولي المتوتر، خاصة مع تصاعد النزعة القومية داخل الهند، واستمرار التوتر في إقليم كشمير، إلى جانب اعتماد نيودلهي بصورة متزايدة على استخدام القوة العسكرية المحدودة كأداة للردع السياسي.
وأضاف أن الصراع بين البلدين يعد من أخطر النزاعات المزمنة في العالم منذ تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، نظرًا لامتلاك الطرفين للسلاح النووي، مشيرًا إلى أن الخطاب الهندي لم يعد يقتصر على سياسة الردع التقليدي، بل أصبح يتجه نحو محاولة “إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية” في جنوب آسيا عبر ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية مكثفة على باكستان.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الهند تتهم باكستان بالاستمرار في استخدام الجماعات المسلحة كورقة ضغط داخل كشمير، بينما ترى إسلام آباد أن نيودلهي تسعى إلى فرض هيمنة إقليمية كاملة في جنوب آسيا، مؤكدًا أن التصريحات الهندية الأخيرة لا تعني بالضرورة اقتراب حرب شاملة، لكنها تكشف عن انتقال الصراع من مرحلة “الاحتواء المتبادل” إلى مرحلة “الردع الهجومي”، حيث يسعى كل طرف إلى فرض تكلفة استراتيجية مرتفعة على الطرف الآخر.
ولفت الزغبي إلى أن حكومة ناريندرا مودي تعتمد بدرجة كبيرة على الخطاب القومي المتشدد، وهو ما يجعل أي تصعيد مع باكستان يحمل أبعادًا سياسية داخلية أيضًا، خاصة مع تنامي التيار القومي الهندوسي الذي يعتبر باكستان مصدر تهديد دائم للهند.
وفي المقابل، أوضح أن باكستان تدرك أن ميزان القوى التقليدي يميل تدريجيًا لصالح الهند اقتصاديًا وعسكريًا، لذلك تعتمد بصورة أكبر على الردع النووي، بالإضافة إلى تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الصين، لمنع تحول الهند إلى القوة المهيمنة الوحيدة في جنوب آسيا، مؤكدًا أن أي تصعيد جديد لن يكون مجرد أزمة حدودية، بل جزءًا من صراع إقليمي أوسع يرتبط أيضًا بالتنافس الصيني الأمريكي في آسيا.
وحول السيناريوهات المحتملة، قال الزغبي إن السيناريو الأول يتمثل في اندلاع “حرب محدودة تحت السقف النووي”، وهو السيناريو الأقرب حال استمرار العمليات الأمنية والهجمات داخل كشمير، موضحًا أن هذا السيناريو قد يشمل ضربات جوية متبادلة واشتباكات حدودية وتحركات عسكرية مكثفة دون الوصول إلى حرب شاملة، لكنه يبقى شديد الخطورة بسبب احتمالات سوء التقدير السياسي أو العسكري.
وأضاف أن السيناريو الثاني يتمثل في احتواء التصعيد عبر ضغوط دولية وإقليمية، خاصة من الولايات المتحدة والصين ودول الخليج، التي تدرك خطورة اندلاع حرب بين قوتين نوويتين على الاقتصاد العالمي والاستقرار الآسيوي، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى استمرار التوترات الإعلامية والعسكرية دون تحولها إلى مواجهة مفتوحة، مع العودة إلى سياسة الردع المتبادل التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود.
واختتم أستاذ العلوم السياسية تصريحاته بالتأكيد على أن التهديدات الهندية الأخيرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة، بل تعكس دخول العلاقات الهندية الباكستانية مرحلة أكثر توترًا وتعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع القومية الداخلية والتنافس الجيوسياسي الدولي، مؤكدًا أن خطر الحرب لم يصبح حتميًا حتى الآن، لكنه بات أقرب وأكثر قابلية للاشتعال مقارنة بالسنوات الماضية.

