حكم صيام يوم عرفة.. مع تسارع الساعات ودخولنا في أجواء النفحات الإيمانية العظيمة، بدأ العد التنازلي لاستقبال أثير النفحات وأبرك الأوقات، حيث يترقب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها حلول يوم عرفة المبارك، والذي سيوافق يوم الثلاثاء المقبل.
هذا اليوم المشهود الذي تتوق فيه القلوب للمغفرة والعتق من النيران، يمثل محطة سنوية جليلة يتنافس فيها العباد بالصالحات، وتتطلع فيه النفوس إلى نيل الرضا الإلهي عبر شعيرة الصيام والدعاء، مستحضرين الهدي النبوي الشريف في تعظيم هذا اليوم والاستفادة من أنواره التي لا تعوض.
حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج
أفادت دار الإفتاء المصرية بأن صيام اليوم التاسع من شهر ذي الحجة «يوم عرفة» يعد سنة مؤكدة في حق المسلمين غير المؤدين لمناسك الحج، حيث ثبت أن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد حافظ على صيامه وأرشد الأمة إلى اغتنام فضله.
وقد اتفقت المذاهب الفقهية على استحباب صوم هذا اليوم لغير الحجاج بناءً على الأدلة الشرعية المستفيضة، ومنها ما نقله الصحابي الجليل أبو قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده" (رواه الإمام مسلم في صحيحه).
ويبرهن هذا الحديث على المنزلة الرفيعة والمكرمة العظيمة التي يختص بها المولى عز وجل صائمي هذا اليوم غفرانًا لذنوب عامين كاملين.
فضل يوم عرفة
أشارت دار الإفتاء إلى أن يوم عرفة يمثل أحد المواعيد السنوية الأعظم على الإطلاق، مدعومة بما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».
وتوضح هذه الكلمات النبوية حجم الرجاء والمغفرة والرحمة الواسعة التي تتنزل على العباد الذين يخلصون نياتهم وأعمالهم لله سبحانه وتعالى في هذا التوقيت المبارك.
حكم صيام يوم عرفة للحجاج
أما في ما يتعلق بوعاء الحكم الشرعي لمن يؤدي مناسك الحج، فقد بينت دار الإفتاء أن جمهور الفقهاء من أتباع المذاهب المالكي والشافعي والحنبلي لا يستحبون الصيام لمن كان واقفًا بعرفة، حتى وإن كان يتمتع بالقوة والقدرة البدنية.
وتفصيلًا لآرائهم:
يرى المالكية والحنابلة أن صيام الحاج في هذا اليوم مكروه، بينما يرى الشافعية أن صيامه يُعد مخالفًا للأولى والأفضل.
وقد اعتمدت الفتاوى في هذا الشأن على مواقف السلف الصالح والنصوص النبوية، ومنها ما ثبت عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أنها بعثت إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقدح من اللبن أثناء وقوفه بعرفة في حجة الوداع فشرب منه أمام الناس (رواه البخاري).
وكذلك ما نُقل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه حج رفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم عاصر حج أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، فلم يقم أي منهم بصيام ذلك اليوم أثناء الحج (رواه الترمذي).
وقد عللت دار الإفتاء كراهة أو تجنب الصيام للحاج بكون الصوم قد يؤدي إلى إضعاف البنية الجسدية للحاج ويقعده عن القيام بالعبادات الأساسية في هذا الموقف العظيم مثل الوقوف الطويل والابتهال والدعاء والتضرع، وهي التي تشكل الركن الأعظم للحج، وعليه فإن الفطر يكون أولى وأفضل للمناسك. كما ذهبت آراء فقهية أخرى إلى تعليل ذلك بأن الحجاج في هذا الموطن هم بمثابة ضيوف الرحمن وزواره، ومن ثمّ ينبغي لهم أن ينعموا بالراحة والقوة البدنية الكاملة لإتمام هذه الضيافة المباركة.
الأدعية المستحبة يوم عرفة
ينبغي على كل مسلم أن يحرص على استثمار ساعات يوم عرفة بالابتهال والدعاء المستمر دون انقطاع وحتى بلوغ أذان المغرب، ومن جملة الأدعية المباركة المنقولة عن الصالحين والتي يسن التضرع بها:
اللهم سخر لي جميع خلقك كما سخرت البحر لسيدنا موسى -عليه السلام-، وألن لي قلوبهم كما ألنت الحديد لداود -عليه السلام-، فإنهم لا ينطقون إلا بإذنك، نواصيهم في قبضتك، وقلوبهم في يديك تصرفها كيف شئت، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ياعلام الغيوب أطفأت غضبهم بلا إله إلا الله، واستجلبت محبتهم.
اللهم أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر بي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك مخبتا إليك أواها منبيا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة صدري.
اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن سهلا إذا شئت سهلا.
اللهم يا ذا الرحمة الواسعة، يا مطلعا على السرائر والضمائر والهواجس والخواطر، لا يعزب عنك شيء، أسألك فيضة من فيضان فضلك، وقبضة من نور سلطانك، وأنسا وفرجا من بحر كرمك، أنت بيدك الأمركله ومقاليد كل شيء، فهب لنا ما تقر به أعيننا، وتغنينا عن سؤال غيرك، فإنك واسع الكرم، كثير الجود، حسن الشيم، في بابك واقفون، ولجودك الواسع المعروف منتظرون يا كريم يا رحيم.







