لم يكن أخطر ما في مسلسل «ورد على فل وياسمين» قصة الحب التي جمعت بين طارق وإلهام، ولا الجدل الذي أثارته العلاقة بين طبيب شاب وامرأة مطلقة تكبره سنًا ولديها طفل.. فهذه مجرد أحداث درامية يمكن الاتفاق أو الاختلاف حولها.. أما ما استوقفني حقًا فكان شيئًا آخر أكثر عمقًا؛ رد فعل الجمهور نفسه.
فبينما تعاطف قطاع واسع من المشاهدين مع القصة، خرجت تعليقات كثيرة تردّد الجملة نفسها بصيغ مختلفة: “هذا لا يحدث في الواقع”، “مفيش دكتور هيحب كوافيرة”، “مفيش حد هيستحمل واحدة مطلقة وعندها ابن”، “ده مسلسل هندي”.
وهنا تحديدًا وجدت نفسي أتوقف أمام سؤال أهم من المسلسل نفسه:
متى أصبح الخير غير قابل للتصديق؟
ولماذا أصبح الحب الصادق يبدو للبعض خيالًا، بينما تبدو القسوة والعنف والخيانة أكثر واقعية ومنطقية؟
الحقيقة أن المشكلة لا تتعلق بمسلسل واحد، بقدر ما تتعلق بصورة تشكلت داخل وعينا على مدار سنوات طويلة. فمنذ فترة ليست بالقصيرة، سيطر على جزء كبير من الدراما العربية نموذج واحد تقريبًا؛ البلطجي، وتاجر المخدرات، والعصابات، والانتقام، والصراعات الدموية، والخيانة باعتبارها المحرك الأساسي للأحداث. ومع الوقت لم تعد المشكلة في وجود هذه الأعمال، فهي جزء طبيعي من أي صناعة فنية، وإنما في هيمنتها على المشهد لدرجة جعلت بعض الناس يظنون أن هذه هي الحياة كلها.
شيئًا فشيئًا أصبح الشر مألوفًا.
وأصبح الخراب مألوفًا.
وأصبحت الخيانة مألوفة.
أما الرحمة فصارت استثناء.
والحب أصبح سذاجة.
والإنسان الطيب أصبح مادة للشك أكثر من كونه نموذجًا طبيعيًا.
ولهذا أرى أن النجاح الحقيقي لـ«ورد على فل وياسمين» لا يكمن في أنه أعاد الرومانسية إلى الشاشة، بل في أنه أعاد الإنسان إلى مركز الحكاية.
لم يعتمد العمل على مطاردات أو جرعات متصاعدة من العنف أو صدمات مصنوعة خصيصًا للتريند. بل راهن على أشياء ظن كثيرون أنها لم تعد قادرة على جذب الجمهور؛ الأمومة، والاحتواء، والرحمة، والحب، والأسرة، والحق في فرصة جديدة للحياة.
إلهام لم تكن مجرد امرأة مطلقة في مسلسل درامي، بل كانت تمثل شريحة كاملة من النساء اللواتي يخضن معارك يومية مع نظرة المجتمع أكثر مما يخضنها مع ظروف الحياة نفسها. نساء تحملن المسؤولية، وعملن، وربين أبناءهن، ثم وجدن أنفسهن في مواجهة أحكام جاهزة تعتبر أن حقهن في الحلم قد انتهى.
أما طارق فلم يكن مجرد طبيب ناجح، بل كان نموذجًا لشباب كثيرين يحاولون انتزاع حقهم في اختيار حياتهم بأنفسهم، وسط ضغوط أسرية واجتماعية لا ترى دائمًا الإنسان بقدر ما ترى الصورة التي يجب أن يكون عليها.
وحتى الشخصيات الأخرى لم تكن مجرد ديكور درامي يمر أمام الكاميرا، بل حملت قضايا حقيقية يعيشها المجتمع كل يوم؛ الجوع العاطفي، وضغط التوقعات الاجتماعية، والخوف من الفشل، والبحث عن الأمان، والحاجة إلى الاحتواء.
وهنا تكمن قيمة العمل.
فالفن ليس مطالبًا فقط بأن يعكس القبح الذي نعيشه، وإلا تحولت الشاشة إلى نشرة طويلة للأزمات. الفن الحقيقي لا ينكر الواقع، لكنه لا يستسلم له أيضًا. يواجهه، ويناقشه، ويطرح أسئلة حوله، ويذكرنا أحيانًا بما يجب أن نكون عليه، لا بما أصبحنا عليه فقط.
ومن هنا تأتي التحية للمؤلفين عمرو سمير عاطف ووائل حمدي، لأنهما راهنا على الإنسان في زمن أصبح الرهان فيه على الصدمة أسهل وأسرع. كما يستحق المخرج محمود عبد التواب التقدير لأنه قدم هذا العالم بصدق وهدوء وثقة، دون استعراض أو افتعال، فبدت الشخصيات وكأنها جزء من حياتنا اليومية لا شخصيات مكتوبة داخل نص درامي.
وربما لهذا السبب تجاوز نجاح «ورد على فل وياسمين» حدود قصة الحب نفسها. فالمسلسل لم يكشف فقط أن الجمهور ما زال يحب الدراما الإنسانية، بل كشف شيئًا أكثر أهمية: أن المجتمع بأكمله أصبح متعطشًا للرحمة أكثر مما يظن.
لقد كشف حجم الجوع العاطفي الذي نعيشه.
وكشف أننا لم نفقد حاجتنا إلى الحب والاحتواء كما تصور البعض.
وكشف أن الناس، مهما أحاطت بهم القسوة، ما زالوا يبحثون عن نافذة صغيرة للأمل.
ولهذا لا أعتقد أن الانتصار الحقيقي في «ورد على فل وياسمين» كان انتصار طارق أو إلهام في النهاية، بل انتصار فكرة أعمق بكثير؛ أن الإنسان، رغم كل شيء، ما زال أجمل حكاية يمكن أن يرويها الفن .