قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. شيماء الناصر تكتب : المرأة المصرية تتحمل العبء الأكبر لارتفاع أسعار الغذاء

د.شيماء الناصر
د.شيماء الناصر

من المناخ إلى المطبخ.. في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمناقشة تداعيات التغير المناخي على البيئة والاقتصاد، تبدو آثار هذه الأزمة أكثر قرباً من الحياة اليومية للمواطنين مما يتخيل كثيرون، فخلف أرقام درجات الحرارة القياسية وتقارير الجفاف والتصحر، تقف ملايين النساء في المنازل المصرية أمام تحدٍ يومي يتمثل في توفير غذاء صحي ومتوازن لأسرهن وسط ارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية.

لقد أصبح التغير المناخي أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على الأمن الغذائي عالمياً، حيث تتسبب موجات الحر الشديدة، وتراجع معدلات الأمطار، وندرة المياه، وتغير أنماط الطقس في انخفاض إنتاجية العديد من المحاصيل الزراعية، ولا تقتصر المشكلة على الإنتاج الزراعي فقط، بل تمتد إلى سلاسل النقل والتخزين والتوزيع، التي تتأثر بدورها بالأحوال الجوية المتطرفة وارتفاع أسعار الطاقة, وتنعكس هذه العوامل مجتمعة على أسعار الغذاء في الأسواق المحلية والعالمية ، فيجد المستهلك نفسه أمام أسعار متزايدة للسلع الأساسية، بينما تتحمل المرأة في كثير من الأحيان العبء الأكبر في إدارة هذه الأزمة داخل الأسرة. 

ومن حيث أن جزء كبير من الغذاء في مصر يعتمد على الإنتاج المحلي والاستيراد في الوقت نفسه، تصبح الأسواق المصرية أكثر حساسية للتغيرات المناخية والاقتصادية العالمية، ما يجعل المستهلك النهائي يواجه موجات متكررة من ارتفاع الأسعار.

وإذا كانت المرأة في المدن تواجه ارتفاع الأسعار عند شراء الغذاء، فإن المرأة الريفية تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في تأثر الإنتاج الزراعي نفسه بالتغيرات المناخية ففي بعض المناطق الزراعية، تؤدي موجات الحر الشديدة أو نقص المياه إلى تراجع إنتاج المحاصيل وارتفاع تكاليف الزراعة وبما أن النساء يشاركن بصورة مباشرة أو غير مباشرة في العديد من الأنشطة الزراعية، فإنهن يتأثرن بشكل مضاعف؛ مرة بصعوبة الإنتاج وارتفاع كلفته ومرة أخرى بارتفاع أسعار الغذاء.

وفي مصر، حيث تلعب المرأة دوراً محورياً في إدارة شؤون المنزل وتخطيط الوجبات اليومية، تتحول هذه التحديات البيئية والاقتصادية إلى مسؤوليات إضافية، فمع كل زيادة في أسعار الخضروات أو اللحوم أو منتجات الألبان، تصبح المرأة مطالبة بإعادة ترتيب ميزانية الأسرة والبحث عن بدائل غذائية أقل تكلفة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على القيمة الغذائية للوجبات.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى أبعاد صحية واجتماعية مهمة فالضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة قد تدفع بعض الأسر إلى تقليل استهلاك بعض العناصر الغذائية الأساسية أو استبدالها ببدائل أقل جودة، كبعض المنتجات الغذائية التي تحتوى أكثر على الدهون أو السكريات أو المكونات المصنعة، ما يزيد من مخاطر السمنة والأمراض المزمنة ,مما قد يؤثر على صحة الأطفال والنساء وكبار السن على المدى الطويل، كما أن القلق المستمر بشأن توفير الاحتياجات الأساسية للأسرة يضيف أعباء نفسية جديدة تؤدي إلى مستويات مرتفعة من التوتر والقلق للنساء، خاصة في الأسر محدودة الدخل.

ورغم التحديات المتزايدة، أرى أن أدوار النساء لا تقتصر على التكيف مع الأزمة، بل تمتد إلى المساهمة في حلها، حيث يبرز في المقابل دور المرأة كجزء مهم من الحل وليس مجرد متلقية للآثار السلبية ففي كثير من المجتمعات، تقود النساء مبادرات ناجحة لترشيد استهلاك الغذاء والطاقة، وإعادة استخدام بقايا الأغذية بصورة آمنة لتقليل الهدر المنزلي، وإعادة تدوير المخلفات العضوية، وإنشاء مشروعات صغيرة مرتبطة بالإنتاج الغذائي المحلي، وهي كلها ممارسات تساهم في تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية وتقليل الأعباء المالية, ولذلك فأن دعم هذه المبادرات يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن الغذائي المحلي وتوفير فرص دخل إضافية للأسر، فضلاً عن نشر ثقافة الاستدامة داخل المجتمع, كما تلعب المرأة أيضاً دوراً رئيسياً في نشر ثقافة الاستهلاك المسؤول وتعزيز السلوكيات الصديقة للبيئة داخل الأسرة, كما أرى الآن أن قضية الغذاء لم تعد مجرد ملف اقتصادي أو زراعي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من قضية التكيف مع التغير المناخي فالتحديات الحالية تتطلب تطوير أنظمة إنتاج غذائي أكثر مرونة واستدامة، والاعتماد على محاصيل تتحمل الحرارة والجفاف، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتقليل الفاقد من الغذاء عبر مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، كل ذلك إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً باعتبارهن شريكاً أساسياً في إدارة الأمن الغذائي للأسرة والمجتمع

وفي النهاية، قد يبدو للبعض أن الربط بين التغير المناخي ووجبة الطعام اليومية أمراً بعيداً للوهلة الأولى، لكن الواقع يؤكد أن ما يحدث في الحقول والأنهار والبحار ينعكس مباشرة على موائد الأسر، وبينما تستمر التحديات المناخية في فرض نفسها على العالم، تظل المرأة المصرية في قلب المعادلة، تدير موارد الأسرة المحدودة، وتبحث عن حلول مبتكرة للتوفيق بين متطلبات الحياة وارتفاع تكاليف الغذاء، لتصبح بذلك أحد أهم خطوط الدفاع الأولى في مواجهة آثار التغير المناخي على المجتمع.