قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

في ذكرى ميلاده.. عباس محمود العقاد فارس الفكر الذي انتصر على قيود التعليم

عباس العقاد
عباس العقاد

ليس كل من يرحل يغيب، فهناك رجال يتركون من أثرهم ما يجعل الزمن عاجزًا عن طي صفحاتهم، وفي كل عام، حين تحل ذكرى ميلاد عباس محمود العقاد، لا نستدعي مجرد تاريخ أو اسم في سجل الأدباء، بل نستحضر عقلًا كان بحجم أمة، وقلمًا لم يعرف المهادنة، وروحًا آمنت بأن المعرفة هي الطريق الوحيد إلى الحرية، لم تمنعه شهادة ابتدائية من أن يصبح أحد أكبر مثقفي العصر الحديث، ولم تقف قلة الإمكانات حائلًا بينه وبين المجد، بل حول الكتاب إلى وطن، والقراءة إلى أسلوب حياة، حتى صار اسمه مرادفًا للموسوعية والجرأة والاستقلال الفكري، وبعد أكثر من ستة عقود على رحيله، لا يزال العقاد حاضرًا في وجدان الثقافة العربية، شاهدًا على أن الإرادة قادرة على صنع المعجزات.

ولد عباس محمود العقاد في مدينة أسوان في الثامن والعشرين من يونيو عام 1889، لأسرة بسيطة الحال، ولم تتح له الظروف استكمال تعليمه النظامي، إذ اكتفى بالمرحلة الابتدائية بسبب محدودية الإمكانات التعليمية آنذاك، غير أن هذا لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية رحلة استثنائية في التعلم الذاتي، اعتمد فيها على شغفه بالقراءة وذكائه الفطري، حتى أتقن اللغة الإنجليزية واطلع على آداب الغرب وفلسفاته، إلى جانب تعمقه في التراث العربي والإسلامي، ليصبح أحد أكثر مثقفي عصره اتساعًا في المعرفة.

عمل العقاد في عدد من الوظائف الحكومية، منها السكك الحديدية ومصلحة التلغراف وديوان الأوقاف، لكنه كان يرى أن الوظيفة تقيد حرية الإنسان وإبداعه، فاستقال منها جميعًا، واتجه إلى الصحافة التي وجد فيها المجال الأرحب للتعبير عن أفكاره، وهناك لمع نجمه ككاتب وصحفي بارز، كتب في كبريات الصحف والمجلات، معتمدًا على أسلوب يجمع بين قوة الحجة وجمال اللغة وعمق الفكرة.

ولم يكن العقاد مجرد صحفي أو شاعر، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل، فقد أسس مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، التي دعت إلى تجديد الشعر العربي، والابتعاد عن التقليد والجمود، وربط الشعر بتجربة الإنسان الحقيقية، كما خاض معارك أدبية وفكرية مع كبار أدباء عصره، من بينهم أحمد شوقي، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، وزكي مبارك، وكانت تلك المعارك انعكاسًا لحيوية الحياة الثقافية في مصر، وإيمان العقاد بأن الحوار والاختلاف هما سبيل تطور الفكر.

وامتدت اهتمامات العقاد إلى الفلسفة والدين والتاريخ والسياسة وعلم النفس والاجتماع، فقدم للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب، إضافة إلى آلاف المقالات، ومن أشهر أعماله سلسلة "العبقريات" التي تناول فيها شخصيات إسلامية عظيمة، مثل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، والإمام علي، مقدمًا قراءة فكرية وإنسانية عميقة لتلك الشخصيات، كما ألف كتبًا بارزة مثل "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه"، و"التفكير فريضة إسلامية"، و"الديمقراطية في الإسلام"، التي دافع فيها عن قيم العقل والحرية والإيمان.

وفي المجال السياسي، كان العقاد صاحب مواقف شجاعة لا تعرف المساومة، انتخب عضوًا في مجلس النواب المصري، ودافع بقوة عن الدستور وحق الأمة في الحرية، حتى سجن عام 1930 بعد انتقاده سياسات الملك فؤاد الأول، مؤكدًا أن الأمة قادرة على حماية دستورها من أي اعتداء، كما وقف موقفًا واضحًا ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية، في وقت تعاطف فيه كثيرون معها، واضطر إلى مغادرة مصر إلى السودان مؤقتًا خوفًا من انتقام القوات النازية إذا دخلت البلاد، وهو موقف يعكس إيمانه الراسخ بقيم الحرية والديمقراطية.

وكان العقاد يؤمن بأن الثقافة لا تقاس بالشهادات، وإنما بقدرة الإنسان على التعلم المستمر، لذلك ظل طوال حياته قارئًا نهمًا، يطالع في مختلف العلوم والآداب، وينفق معظم دخله على اقتناء الكتب، حتى تحولت مكتبته إلى واحدة من أشهر المكتبات الخاصة في مصر، وأصبحت القراءة بالنسبة إليه فعلًا يوميًا لا ينقطع.

ورغم كثرة مؤلفاته وإسهاماته الفكرية، ظل العقاد يعيش حياة بسيطة، ولم يتزوج، مكرسًا وقته للكتابة والبحث، ونال عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، بينما رفض الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة، مؤمنًا بأن القيمة الحقيقية للمفكر تكمن فيما يقدمه من إنتاج فكري، لا فيما يناله من ألقاب.

وفي الثاني عشر من مارس عام 1964، رحل عباس محمود العقاد عن عمر ناهز الرابعة والسبعين، لكنه ترك وراءه تراثًا فكريًا وأدبيًا لا يزال مصدر إلهام للأجيال، وترجمت مؤلفاته إلى عدد من اللغات، وأُطلق اسمه على أحد أشهر شوارع القاهرة، كما تناولت أعمال درامية سيرته، تأكيدًا لمكانته في الذاكرة الثقافية العربية.