تحل اليوم ذكرى رحيل الأديب والروائي الكبير محمد عبد الحليم عبد الله، أحد أبرز رواد الرواية العربية الحديثة، وصاحب تجربة أدبية متميزة جمعت بين الرومانسية والواقعية، فاحتلت أعماله مكانة بارزة في تاريخ الأدب العربي. ونجح من خلال رواياته وقصصه في تقديم صورة صادقة للمجتمع المصري، لتتحول العديد من أعماله إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية حققت نجاحا واسعا بين القراء ومحبي الأدب.
ولد محمد عبدالحليم عبدالله، في الثالث من فبراير عام 1913 بقرية كفر بولين التابعة لمركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة، ونشأ في بيئة ريفية شكلت المصدر الأبرز لإلهامه الأدبي، فانعكست تفاصيلها في شخصياته وأحداث رواياته ، ومنذ طفولته أبدى شغفا بالقراءة والمعرفة، فالتحق بكتاب القرية وأتم حفظ القرآن ، ثم واصل تعليمه في دمنهور ، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لاستكمال المرحلة الثانوية ، وتخرج في كلية دار العلوم عام 1937، بينما كانت بداياته الأدبية قد سبقت تخرجه بسنوات، إذ نشرت أولى قصصه عام 1933 وهو لا يزال طالبا.
عقب تخرجه، بدأ العمل محررا في مجلة مجمع اللغة العربية، وظل يتدرج في عمله حتى أصبح رئيسا لتحرير مجلة المجمع. وفي الوقت نفسه كانت مسيرته الأدبية تتسع وتتألق، فقدم روايات وقصصا حملت طابعا خاصا ، وعبرت عن حياة الإنسان المصري في الريف والمدينة .
أثرى المكتبة العربية بعدد كبير من الروايات والقصص، من أبرزها: "الوشاح الأبيض" 1951 ، "غصن الزيتون" 1955 ، "سكون العاصفة" 1960 ، "الجنة العذراء" 1963 ، "الباحث عن الحقيقة" 1966 ، و"للزمن بقية" 1967 ، إلى جانب مجموعات قصصية عديدة مثل "الدموع الخرساء" عام 1953 و"ألوان من السعادة" 1958 و"خيوط النور" 1965 . وقد وجدت أعماله طريقها إلى القراء داخل مصر وخارجها، فترجمت إلى لغات عدة، منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والصينية والفارسية.
وبفضل ما اتسمت به رواياته من ثراء في الأحداث والشخصيات الإنسانية المؤثرة، تحولت الكثير منها إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية ناجحة، مثل "شجرة اللبلاب" ،"لقيطة" ،"غصن الزيتون" و"للزمن بقية"، لتنتقل حكاياته من صفحات الكتب إلى الشاشات وتحظى بجمهور أوسع.
ومع مرور السنوات أصبح محمد عبدالحليم عبدالله أحد أبرز فرسان الرواية الرومانسية في الأدب العربي، محتفظا بأسلوبه الخاص الذي جمع بين رقة المشاعر وصدق الواقع. حيث شغل العديد من المواقع الثقافية المهمة، منها مساعدا لسكرتير عام نادي القصة وجمعية الأدباء عام 1963 ، وعضوا بمجلس إدارة جمعية الأدباء عام 1967 ، وحصل على العديد من الجوائز، من أهمها جائزة المجمع اللغوي عن روايته "لقيطة" عام 1947 ، وجائزة وزارة المعارف عن رواية "شجرة اللبلاب" عام 1949، ، وجائزة إدارة الثقافة العامة بوزارة المعارف عن رواية "بعد الغروب" في العام نفسه ، وجائزة الدولة التشجيعية عن رواية "شمس الخريف" عام 1953. كما منح اسمه وسام الجمهورية من الرئيس الراحل أنور السادات بعد وفاته، واختار اتحاد الكتاب العرب روايته "بعد الغروب" ضمن أفضل 100 رواية عربية.
وفي الثلاثين من يونيو عام 1970، رحل محمد عبدالحليم عبدالله عن عمر ناهز سبعة وخمسين عاما، إثر اصابته بانفجار في المخ خلال زيارته لقريته ونقل إلى مستشفى دمنهور حيث فارق الحياة ، ودفن في قريته تنفيذا لوصيته ، وأقيمت لاحقا مكتبة أدبية تحمل اسمه ، إلى جانب متحف بجوار ضريحه يضم مقتنيات من أبرزها المخطوطة الأولي لقصته "غرام حائر" . ولا تزال أعماله بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيله حاضرة في المشهد الثقافي ، شاهدة على تجربة أدبية تركت بصمة واضحة في مسيرة الرواية العربية، ورسخت اسمه بين أبرز روادها.