قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

حلم التعليم انتهى بالإعدام.. القصة الكاملة لمأساة الطفلة "هنا" بمحافظة الفيوم

هيئة المحكمة
هيئة المحكمة

كانت كل أمنيتها أن تحمل حقيبة مدرسية، وأن تجلس على مقعد بين زميلاتها، تتعلم الحروف والأرقام مثل باقي الأطفال. لم تكن تطلب لعبة باهظة الثمن، ولا رحلة، ولا حياة مترفة، بل كانت تحلم بحق طبيعي لكل طفل: أن تتعلم.


لكن الطفلة "هنا" لم تكن تملك حتى ما يثبت وجودها رسميًا. فقد عاشت سنواتها الأولى دون قيد في سجلات الأحوال المدنية، ودون شهادة ميلاد تمنحها اسمًا وهوية أمام الدولة، لتبدأ رحلة قاسية من الحرمان والعزلة.


نشأت "هنا" في كنف والدتها " بسمة "، محرومة من أبسط حقوق الطفولة، تؤدي الأعمال المنزلية بدلًا من الذهاب إلى المدرسة، وتعيش طفولة مختلفة عن أقرانها. وبعد زواج والدتها عرفيًا من " محمد " انتقلت للعيش معهما داخل منزل تحول، إلى مكان شهد أبشع صور العنف بحقها.

طلبت الذهاب إلى المدرسة.. فصدر بحقها حكم الإعدام داخل منزلها

كانت" هنا" تجلس بجوار نافذة المنزل وكلما شاهدت الأطفال يذهبون إلى مدارسهم، كانت تتمنى أن تكون واحدة منهم. طلبت من والدتها وزوجها أن تلتحق بالتعليم، وأن تصبح مثل باقي الأطفال، لكن هذا الحلم البسيط قوبل بالرفض، لتبدأ بعدها مرحلة أكثر قسوة.

تعذيب ممنهج.. حبال وتجويع وضرب حتى الموت

ومنذ تلك اللحظة، تحول الرفض إلى نية إجرامية، وتحولت القسوة إلى اتفاق، وقرر بين والدتها وزوجها على التخلص الصغيرة وعقدا العزم على قتلها بطريقة شيطانية، واستغلا أن الطفلة لا اسم لها، ولا عنوان يثبت وجودها، ولا قيد في سجلات الأحوال المدنية يثبت حياتها، فظنا أنه لو قتلاها داخل المنزل فلن يعرف أحد، وستبدو الوفاة طبيعية، ويتم دفنها دون أي مسؤولية وبدأ في تنفيذ مخططهما الإجرامي وقاما باحتجازها داخل إحدى غرف المسكن الخاص بالمتهم " محمد " زوج أمها، وقاما بتقييدها بالحبال من يديها وقدميها وشلا حركتها، وداوما على تعذيبها تعذيبًا ممنهجًا، متكررًا، صباحًا ومساءً، ضربًا، وإيذاءً، وتجويعًا، في سلوك لا يهدف إلى التأديب، بل إلى الإهلاك.

الأم تتحول إلى جلاد.. وسكين ساخن يحرق جسد ابنتها

ولم يرق قلب الأم إلى ابنتها فلذة كبدها وهي تراها مكبلة بالحبال وجسدها النحيف يرتجف ودموعها تسيل لتغرق ملابسها وتنظر لوالدتها وكان عينها تتكلمان " ارحميني يا أمي ". نظرات لم تجد قلب حنون بعد ان تحجر قلب الام وتحول الى جلاد حيث قامت الام باحضار سكين وتسخينها على شعلة البوتاجاز وخرجت بها من المطبخ إلى مكان تواجد زوجها المتهم الثاني " محمد " وأعطته السكين ليقوم بوضعها على جسد الصغيرة " هنا " فأحدث بها إصابات جسيمة، حتى أن وصل الأمر إلى قيامه بحسر ثيابها ليحرق أماكن عفتها، فضلًا عن إطفاء أعقاب السجائر في جسدها، والتعدي عليها بعصا خشبية حتى تهشمت بعض عظامها.

كفن لطفلة ما زالت تتنفس

وبعد حلقات من التعذيب وسط بكاء وارتجاف جسد الصغيرة لم تجد من ينجدها من سجن والدتها وزوجها بعد أن اتفقا على تركها على هذه الحال داخل الغرفة، دون علاج أو إسعاف، انتظارًا لموتها البطيء، تمهيدًا للتخلص من جثمانها ودفنه بعيدًا عن أعين الناس، وبعد أن لاحظ المتهم الثاني " زوج الأم " دخول الصغيرة لحظاتها الأخيرة في الحياة قام بالاتصال بأحد الأشخاص، ويدعى " وليد " طالبًا منه إحضار كفن لطفلة، استعدادًا لدفنها، رغم علمه بأنها لا تزال على قيد الحياة.

الصيدلي حاول إنقاذها.. والأم أعادتها إلى الموت

ولم تكتفِ الام وزوجها باحتجاز صغيرتها " هنا " وتعذيبها، بل مضيا في طريقهما حتى النهاية، وأصرا على إزهاق روحها، وحين ظنا أنها فارقت الحياة، اصطحبتها أمها " بسمة" إلى إحدى الصيدليات المجاورة لمسكنهما بقرية العامرية، مركز الفيوم، لتتأكد من وفاتها،تمهيدًا للإعلان عن وفاتها ودفنها باعتبارها وفاة طبيعية، مستغلين أنها غير مقيدة بسجلات الأحوال المدنية إلا أن الصيدلي أخبرها بأن الطفلة ما زالت على قيد الحياة، وناشدها سرعة نقلها إلى المستشفى لإنقاذها.. رق قلب الصيدلي على الصغيرة ولم يرق قلب الأم .. كما شاهد الأهالي والجيران آثار التعذيب الواضحة على جسد الطفلة، وتدخلوا مطالبين بنقلها إلى المستشفى أو تسليمها لهم لإنقاذها.. لكن المتهمين رفضا جميع محاولات الإنقاذ، وأعادت المتهمة الطفلة إلى المنزل، حيث استأنفا مسلسل التعذيب، ومنعا عنها العلاج، حتى فارقت الحياة.


الجريمة تنكشف.. والشرطة تكشف تفاصيل المأساة

وكانت لحظة موت الصغيرة دون ذنبا أو جريرة بداية لكشف ستر الأم وزوجها لتقودهما جريمتهما الشيطانية إلى نهاية لم يكن يتوقعانها بعد فشل مخططهما بإنهاء جريمتهما دون أن احد يدري ولكن الله رفع ستره عنهما لكشف جريمتهما . تلقت مديرية أمن الفيوم بلاغا من مركز شرطة الفيوم يفيد العثور على جثة الطفلة " هنا " وبها إصابات متعددة ذات طابع حرقي بمناطق متفرقة بجسدها داخل منزل بناحية قرية العامرية.

وتوصلت تحريات الرائد أحمد محمد محمود رئيس وحدة مباحث مركز شرطة الفيوم إلى أن وراء ارتكاب الواقعة كلا من " محمد . ج . ع " زوج والدة المجني عليها و " بسمة . و . ر " والدة المجني عليها ، وأشارت التحريات إلى قيام المتهمين بالاعتداء على الطفلة " هنا " بالضرب والتعذيب مستخدمين أدوات منها عصا خشبية وسكين حرقت أجزاء منها كما قاما بتكبيلها واحتجازها في غرفة بالمنزل واستمروا في تعذيبها وإحداث إصابات متفرقة في جسدها بما في ذلك مناطق عفتها قصدين من ذلك قتلها.
وأضافت التحريات أن قصد المتهمين من ذلك قتلها لرفضهما إقامتها معهما في المنزل وعدم تسجيلها في الأحوال المدنية لاستخراج شهادة ميلاد، وبمواجهة المتهمين بما أسفرت عنه التحريات أقرا بارتكاب الواقعة

اعترافات ومحاكاة كاملة للجريمة أمام النيابة

وأمام عبد الله إبراهيم المغربي وكيل النائب العام اعترف المتهمان وقاما بإجراء محاكاة تمثيلية لجريمتهما، صورا خلالها كيفية التعدي على الطفلة، وكيفية تكبيلها، وكيفية تعذيبها، وكيفية حرق أجزاء من جسدها، وكيفية امتناعهما عن علاجها،و أرشد المتهمان، حال إجراء المحاكاة التصويرية، عن الأدوات المستخدمة في الواقعة، وهي الحبل الذي قاما بتكبيل المجني عليها به أثناء احتجازها وتعذيبها، وذلك أثناء محاكاة النيابة العامة للواقعة.

وأمام الدائرة الثالثة بمحكمة جنايات الفيوم برئاسة المستشار أدهم إبراهيم عبد السلام رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين ماركو سمير فرج و محمد عبد التواب إبراهيم الرئيسين بالمحكمة، و أدهم دويدار عبد الحميد عضو المحكمة. وقف المتهمان خلف القفص الحديدي لبدء محاكمتهما.
وبعد تلاوة أمر الإحالة استمعت هيئة المحكمة إلى مرافعة عبد الله إبراهيم المغربي وكيل النائب العام التي حركت مشاعر الحضور داخل قاعة المحكمة وكشفت حجم المأساة والجريمة الشيطانية التي نفذها المتهمان

مرافعة هزت قاعة المحكمة

بدأ عبد الله إبراهيم المغربي وكيل النائب العام مرافعته بمقدمة نارية بسبب قسوة تفاصيل الجريمة قائلا: أقف اليوم أمام عدالتكم، وقلبي يفيض حزنًا، ولساني يرتجف، لأعرض بين أيديكم قصة طفلة لم تبلغ الحلم ولم يجر عليها القلم، لم تذنب، ولم تخطئ، ولم تعرف من الحياة سوى الضعف، فكان ضعفها ذنبًا، وكان صمتها حكمًا، وكان جزاؤها عذابًا، ثم قُتلت بغير حق،طفلة لم تذنب فقيدوها، ولم تخطئ فعذبوها ، ولم تشتكُ فقتلوها، فصار الصمت جريمة، والضعف إدانة، والبراءة دمًا مهدورًا.

واستكمل: جئنا إليكم لنضع بين أيديكم جريمة اهتز لها عرش الرحمن غضبًا، جريمة لو عرضت على الجبال لتصدعت، ولو سُمعت في عالم الوحوش لتنصل منها الافتراس، جريمة لم تُرتكب في لحظة طيش، ولا في ساعة غضب، بل نُسجت خيوطها على مهل ، وتدرجت  فصولها بإصرار إجرامي بارد .. لم نرَ ولم نسمع قط عن حيوان مفترس يحتجز صغيره، ثم يقيده، ثم يعذبه يومًا بعد يوم حتى الموت، وعن شيطان أغرى نفسه بتعذيب نجله وتكسير ضلوعه أو قام بحرقه حتى الموت، فإذا بالمتهمين يرتكبان من الأفعال ما تأباه الوحوش، وتلعنه الفطرة، ويقشعر له الضمير الإنساني.

وتابع: اليوم تقف النيابة العامة أمام عدالتكم، لا لتستدر عاطفة، ولا لتثير شفقة، بل لتضع الحقيقة أمام ميزان العدالة تحمل على عاتقها أمانة ثقيلة، وتنهض بمسؤولية عظيمة، وتؤدي رسالتها نصرة للمظلوم، وحماية للضعيف، وصونًا لدماء طاهرة أهدرت، وأعراض عفيفة انتهكت، وحقوق مشروعة ضُيعت، فالنيابة العامة هي ملاذ الملهوف إذا ضاقت به السبل، وملجأ المقهور إذا أظلمت به الدروب، وهي صرخة المظلوم إذا كُتم صوته، وهي دمعة اليتيم إذا جف دمعه، وهي الأمل الباقي حين تنقطع الأسباب، وهي النور الوهاج إذا أطبق الظلام، فهي العين التي لا تغفو، والضمير الذي لا يخون، واليد التي لا ترتعش أمام باطل، واللسان الذي لا ينطق إلا بالحق و هي سياج الوطن في وجه العابثين، وسيف العدالة في صدر الظالمين، فهي لا تسعى إلا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل فالعدل هو هدفنا وغايتنا في الحياة، لا شيء معه أو سواه، لا نخشى فيه أحدًا إلا الله، ولا نرتضيه إلا كاملًا متكاملًا غير منقوص.

واستكمل: أذنوا لي، يا قضاة الحق، ويا أعلام الضمائر، ويا حراس الضمائر ويا من اصطفاكم الله لتكونوا ميزان العدل، وأمناءه في أرضه، وحصنه لعباده، أن أرفع إلى مقامكم فصول هذه النازلة، وأن أبسط بين أيديكم أوراق هذه الفاجعة، لا تشفيًا ولا تهويلًا، بل أداءً لأمانة ثقيلة، ووفاءً لحق غدر به وهو في أضعف صوره فأذنوا لي أن ألقي على مسامع عدالتكم جريمة تجاوزت حدود القسوة، وتخطت أبشع صور العذاب، حتى انتهت إلى قتل متعمد صريح، وإزهاق لروح بريئة، وتدنيس لحرمة الطفولة ذاتها.

جريمة لم ترتكب في غفلة، ولم تقع مصادفة، بل سارت إليها الإرادة الآثمة، وتدرج إليها الفعل الوحشي، حتى أزهقت روح طفلة لم تبلغ الحلم ولم يجر عليها القلم.نحن أمام جريمة لم تنتهك فيها حرمة الجسد وحده، بل دفنت فيها الإنسانية، وسُحقت فيها طفولة كان حقها الاحتضان، فإذا بها تُقيد، وكان حقها الأمان، فإذا بها تُعذب حتى الموت.


واستعرض وكيل النائب العام في مرافعته وقائع الأحداث من بداية زواج المتهمة " بسمة " بالمتهم " محمد " عرفيا وعم تسجيل " المجني عليها ابنة الأولى " هنا " في السجلات المدنية وتعذيبها بكل قسوة حتى الموت، مطالبا بتطبيق أقصى العقوبة على المتهمين وهي الإعدام شنقا.


القصاص.. نهاية جريمة هزت الضمير


واستمعت هيئة المحكمة إلى دفاع المتهمين وشهود الإثبات ومناقشة الطبيب الشرعي وبعد المداولة قررت هيئة المحكمة إحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة المفتي لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما وبعد ورود رد المفتي حكمت المحكمة حضوريا على المتهمين بالإعدام شنقا على ما اسند إليهما لتسدل الستار على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها محافظة الفيوم، بعدما دفعت الطفلة "هنا" حياتها ثمنًا لحلم بسيط لم يكتمل، وهو أن تدخل المدرسة مثل باقي الأطفال.