لم يكن نصر حامد أبو زيد مجرد أستاذ جامعي كتب في تأويل النصوص، بل أصبح، دون أن يختار، عنوانًا لأحد أكثر الملفات الفكرية سخونة في التاريخ المصري الحديث، فمن بين رفوف المكتبات خرجت كتبه إلى ساحات المحاكم، ومن قاعات الجامعة امتدت قضيته إلى المنظمات الحقوقية والجامعات العالمية، قبل أن تنتهي به إلى منفى طويل بعيدًا عن الوطن، وبينما رحل الجسد في الخامس من يوليو 2010، بقي الاسم حاضرًا كلما تجدد الحديث عن حرية الفكر، وتجديد الخطاب الديني، وحدود الاجتهاد، وبعد خمسة عشر عامًا، لا يبدو أن المعركة التي ارتبطت باسمه قد انتهت، بل لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الثقافي والفكري حتى اليوم.
نصر حامد أبو زيد، كتب سيرة استثنائية تجاوزت حدود الشخص إلى معركة كبرى حول حرية البحث العلمي، وتأويل النصوص، وحدود الاختلاف الفكري، وبعد سنوات على رحيله، لا تزال الأسئلة التي أثارها حاضرة، وكأن صاحبها لم يغادر المشهد.
ولد نصر حامد أبو زيد في 10 يوليو 1943 بقرية قحافة التابعة لمدينة طنطا، في أسرة بسيطة لم تسمح ظروفها الاقتصادية له بالالتحاق المباشر بالجامعة، بدأ حياته بدراسة اللاسلكي، وعمل فنيًا في هيئة الاتصالات، قبل أن يواصل تعليمه بإصرار حتى حصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة عام 1972 بتقدير ممتاز، ثم نال الماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلامية من الجامعة نفسها، ليبدأ رحلة أكاديمية جعلته واحدًا من أبرز الباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر.
كرس أبو زيد مشروعه الفكري لدراسة النصوص الدينية من منظور لغوي وتأويلي، مستفيدًا من مناهج النقد الحديثة والهرمنيوطيقا، وهو ما تجسد في مؤلفاته التي أصبحت علامات بارزة، مثل: مفهوم النص، ونقد الخطاب الديني، والاتجاه العقلي في التفسير، وفلسفة التأويل، والإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، وقد دعا إلى إعادة قراءة التراث الديني في ضوء تطور المعرفة الإنسانية، معتبرًا أن فهم النصوص يرتبط بالسياق التاريخي والثقافي الذي أنتجها.
لكن أفكاره لم تمر بهدوء، ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي، تحولت مناقشة أكاديمية تتعلق بترقيته إلى درجة الأستاذية بكلية الآداب جامعة القاهرة إلى واحدة من أشهر القضايا الفكرية في العالم العربي، فقد أعد الدكتور عبد الصبور شاهين تقريرًا نقديًا لأبحاثه، اعتبرها لا ترقى إلى المستوى العلمي المطلوب للترقية، وتضمن اعتراضات حادة على عدد من أفكاره المتعلقة بالقرآن والسنة وطبيعة الخطاب الديني.
وسرعان ما خرجت القضية من الإطار الأكاديمي إلى ساحات القضاء، بعدما رفع عدد من المحامين دعوى حسبة اتهمت أبو زيد بالردة، مستندين إلى ما ورد في أبحاثه، وفي عام 1995 صدر الحكم الشهير بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، باعتبار أن المسلمة لا يجوز أن تبقى زوجة لمرتد، وفق منطوق الحكم.
شكل القرار صدمة واسعة داخل الأوساط الثقافية والحقوقية في مصر وخارجها، وأثار نقاشًا عالميًا حول حرية الفكر والبحث العلمي، وأمام تصاعد التهديدات، اضطر أبو زيد وزوجته إلى مغادرة مصر متجهين إلى هولندا، حيث عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية بجامعة لايدن، وواصل نشاطه الأكاديمي والبحثي، محاضرًا في جامعات أوروبية وآسيوية، وحاصلًا على عدد من الجوائز والتكريمات الدولية، من بينها جائزة ابن رشد للفكر الحر.
ورغم مرور السنوات، لم تهدأ أصداء القضية، ففي عام 2010، وقبل وفاة أبو زيد بأشهر قليلة، نفى الدكتور عبد الصبور شاهين في حوار صحفي أنه كفره، مؤكدًا أن تقريره كان تقييمًا علميًا للإنتاج الأكاديمي فقط، وأن دعوى حسبة أقامها آخرون دون تدخل منه، وأن القضاء هو من أصدر حكمه المستقل، ومع ذلك، ظل كثيرون يرون أن التقرير كان الشرارة الأولى التي فتحت الباب أمام القضية الأشهر في تاريخ قضايا التكفير الحديثة.
وخلال سنوات المنفى، لم ينقطع أبو زيد عن التواصل مع مصر، كان يعود كلما سنحت الفرصة لإلقاء المحاضرات والمشاركة في الفعاليات الثقافية، أبرزها سلسلة محاضراته بمكتبة الإسكندرية عام 2008، التي عبر خلالها عن سعادته بالحديث باللغة العربية مجددًا أمام جمهور مصري، مؤكدًا أن ارتباطه بوطنه لم ينقطع رغم سنوات الغياب.
وفي يونيو 2010 عاد إلى القاهرة بعد إصابته بفيروس نادر لم يتمكن الأطباء من تحديد طبيعته أو علاجه بصورة واضحة، دخل في غيبوبة استمرت عدة أيام، قبل أن يرحل صباح الخامس من يوليو 2010 عن عمر ناهز 67 عامًا، ليوارى الثرى في مسقط رأسه بقرية قحافة.
رحيل أبو زيد أعاد إلى السطح النقاش القديم حول إرثه الفكري، فقد نعاه عدد كبير من الأدباء والمثقفين، ومن بينهم الروائي بهاء طاهر الذي وصف وفاته بأنها خسارة لمفكر مصري كبير لم تتحقق أمنيته بالعودة إلى موقعه الأكاديمي في وطنه، فيما قال الأديب يوسف القعيد إن الفكر العربي فقد أحد أهم أصحاب الأسئلة الكبرى، معتبرًا أن معاناته مع النفي كانت واحدة من أكثر المحن قسوة في تاريخ المثقفين المصريين.
وبعد مرور أعوام على رحيله، لا يزال نصر حامد أبو زيد حاضرًا في الجامعات والندوات ودوائر البحث، ليس فقط عبر كتبه، وإنما من خلال الجدل الذي لم يتوقف حول أفكاره ومشروعه التأويلي، وبين من يراه مجددًا فتح بابًا جديدًا لقراءة التراث، ومن يعتبر أطروحاته تجاوزًا للثوابت الدينية، تبقى سيرته شاهدًا على أن الأفكار الكبرى لا تنتهي برحيل أصحابها، وأن بعض المعارك الفكرية تستمر طويلًا بعد أن يطوي الموت صفحات أصحابها.