تحولت قرى مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية إلى بؤرة لحوادث لدغات الثعابين خلال الأيام الأخيرة، بعدما سجلت المحافظة ثلاث حالات وفاة في أقل من أسبوعين، إلى جانب إصابات أخرى، في مشهد أثار حالة من الخوف والقلق بين الأهالي، الذين طالبوا بسرعة التدخل للحد من تكرار هذه الوقائع، خاصة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وزيادة نشاط الزواحف داخل الأراضي الزراعية والمصارف.
وجاءت أحدث هذه الحوادث بوفاة الطفلة ملك عصام حجازي، البالغة من العمر 11 عامًا، متأثرة بإصابتها بلدغة ثعبان أثناء مساعدتها والدها في ري قطعة أرض زراعية بقرية كفر حسين الطوبجي التابعة لمركز منيا القمح، لتصبح الضحية الثالثة خلال أقل من أسبوعين في المركز نفسه.
_825_015457.jpg)
الطفلة ملك.. مأساة جديدة داخل أرض زراعية
خيمت حالة من الحزن على أهالي قرية كفر حسين الطوبجي عقب وفاة الطفلة ملك عصام، التي تعرضت للدغة ثعبان أثناء وجودها مع والدها داخل أرضه الزراعية في نحو الخامسة والنصف مساءً.
وبحسب شهود عيان، فوجئ الأب بتعرض طفلته للدغة مفاجئة، ليبادر بنقلها إلى مستشفى منيا القمح المركزي، قبل تحويلها إلى مستشفى صيدناوي التابع لمستشفيات جامعة الزقازيق، في محاولة لإنقاذ حياتها، إلا أنها فارقت الحياة متأثرة بالإصابة رغم محاولات الأطباء إسعافها.
وانتقلت الجهات المختصة إلى المستشفى، وتم التحفظ على الجثمان تحت تصرف جهات التحقيق، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات للوقوف على ملابسات الواقعة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
ثلاث وفيات خلال أقل من أسبوعين
لم تكن وفاة الطفلة ملك هي الأولى، إذ سبقها حادثان مأساويان داخل مركز منيا القمح، حيث توفي الطفل عبدالرحمن إبراهيم عطية، البالغ من العمر 10 سنوات، بعد تعرضه للدغة ثعبان أثناء مساعدته والده في إزالة الحشائش داخل أرض زراعية بقرية القراقرة.
كما شهدت القرية نفسها وفاة السيدة سهام أحمد بسيوني، 32 عامًا، بعدما تعرضت للدغة ثعبان أثناء توجهها إلى أحد الحقول لتوصيل وجبة الغداء لزوجها، لتترك خلفها ثلاثة أطفال.
وتسببت هذه الوقائع المتتالية في تصاعد حالة القلق بين سكان القرى الزراعية، مع تكرار الحوادث في نطاق جغرافي محدود وخلال فترة زمنية قصيرة.

إصابة جديدة تزيد مخاوف الأهالي
ولم تتوقف حوادث لدغات الثعابين عند حالات الوفاة، إذ شهدت قرية الحبش التابعة لمركز الإبراهيمية إصابة مؤذن أحد المساجد، محمود السيد، 45 عامًا، بعدما تعرض للدغة ثعبان أثناء سيره داخل إحدى الأراضي الزراعية.
وجرى نقله إلى مستشفى الإبراهيمية المركزي، حيث تلقى المصل المضاد لسموم الثعابين وخضع للرعاية الطبية والملاحظة حتى استقرت حالته الصحية، فيما باشرت الأجهزة الأمنية والنيابة العامة الإجراءات القانونية بشأن الواقعة.
لماذا تزداد لدغات الثعابين في الصيف؟
يرجع متخصصون تكرار ظهور الثعابين خلال فصل الصيف إلى عدة عوامل، يأتي في مقدمتها ارتفاع درجات الحرارة، التي تدفع الثعابين إلى الخروج من جحورها بحثًا عن أماكن أكثر اعتدالًا أو عن مصادر للمياه والغذاء.
كما تسهم الحشائش الكثيفة، والمصارف غير المطهرة، وتراكم المخلفات الزراعية في توفير بيئة مناسبة لاختباء الثعابين، وهو ما يزيد احتمالات احتكاكها بالمزارعين والأطفال داخل الحقول.
وتزداد الخطورة في القرى الزراعية التي تشهد أعمال ري مستمرة أو انتشارًا واسعًا للحشائش، خاصة في ساعات المساء وقبل غروب الشمس، وهي الفترات التي تنشط فيها بعض أنواع الثعابين.
حملات مكافحة بعد الحوادث
وعقب وفاة الطفل والسيدة في قرية القراقرة، نفذت الجهات المعنية حملة موسعة لاصطياد الثعابين، شملت تمشيط الأراضي الزراعية والمصارف والمناطق المحيطة، وأسفرت عن اصطياد عدد من الثعابين، في محاولة للحد من تكرار الحوادث.
إلا أن وفاة الطفلة ملك بعد أيام قليلة أعادت المطالبات الشعبية بضرورة توسيع نطاق هذه الحملات لتشمل جميع قرى مركز منيا القمح، وعدم الاكتفاء بالمناطق التي شهدت حوادث بالفعل.
مطالب عاجلة من الأهالي
طالب أهالي مركز منيا القمح بسرعة تنفيذ خطة شاملة لمكافحة الثعابين، تتضمن إزالة الحشائش من جوانب الترع والمصارف، وتطهير الأراضي المهجورة، وتكثيف حملات الاصطياد بصورة دورية، خاصة خلال أشهر الصيف.
كما دعا الأهالي إلى توفير الأمصال المضادة لسموم الثعابين بكميات كافية في المستشفيات والوحدات الصحية القريبة من المناطق الزراعية، مع رفع درجة الاستعداد داخل أقسام الطوارئ لضمان سرعة التعامل مع أي حالات جديدة.
ويرى سكان القرى أن استمرار تكرار هذه الوقائع خلال فترة قصيرة يستدعي تحركًا عاجلًا من جميع الجهات المختصة، حفاظًا على أرواح المواطنين، خصوصًا الأطفال والمزارعين الذين يقضون ساعات طويلة داخل الأراضي الزراعية، في ظل استمرار موجات الحرارة التي تزيد من نشاط الثعابين واحتمالات ظهورها.
ماذا تفعل عند التعرض للدغ؟
ومن جانبه، قال استشاري الأمراض الباطنة، الدكتور عبدالرحمن أيمن إن التعرض للدغة أفعى يُعد حالة طبية طارئة تستوجب التوجه الفوري إلى أقرب مستشفى، دون انتظار ظهور الأعراض أو محاولة علاج المصاب بوسائل منزلية، موضحًا أن بعض الثعابين قد تحقن سمومًا تؤثر سريعًا على الجهاز العصبي أو الدورة الدموية، ما يجعل سرعة الحصول على الرعاية الطبية عاملًا حاسمًا في إنقاذ الحياة.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الإسعافات الأولية الصحيحة تتمثل في تهدئة المصاب وتقليل حركته، مع غسل مكان اللدغة بالماء والصابون وتغطيته بضمادة نظيفة وجافة، وإزالة الخواتم أو الساعات قبل حدوث التورم، مع الحرص على نقل المصاب إلى المستشفى بأسرع وقت للحصول على المصل المضاد للسموم إذا استدعت الحالة ذلك، مشيرًا إلى أنه يُفضل التقاط صورة للثعبان من مسافة آمنة إذا أمكن، لتسهيل تحديد نوع السم والعلاج المناسب.
وأكد أن هناك ممارسات خاطئة لا تزال شائعة بين بعض المواطنين، لكنها قد تزيد من خطورة الإصابة، مثل ربط الطرف المصاب بعاصبة، أو شق مكان اللدغة، أو محاولة امتصاص السم، أو وضع الثلج على الجرح، أو اللجوء إلى الوصفات الشعبية، موضحًا أن هذه التصرفات قد تؤخر العلاج الصحيح وتتسبب في مضاعفات إضافية.
وأشار إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للدغات الثعابين هم المزارعون والرعاة والعاملون في المناطق الزراعية، خاصة خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة نشاط الثعابين، داعيًا إلى ارتداء أحذية طويلة وقفازات أثناء العمل في الحقول، وتجنب السير وسط الحشائش الكثيفة أو إدخال اليد في الأماكن التي قد تختبئ بها الثعابين، مع ضرورة التوعية بالإجراءات الصحيحة للتعامل مع مثل هذه الحوادث.
أنواع الثعابين في مصر.. وغالبية الأنواع غير سامة
ومن جانب آخر، أوضح الدكتور محمد بشار، خلال مداخلة تليفزيونية، أن الثعابين من الكائنات ذات الدم البارد، ولا تمتلك القدرة على تنظيم درجة حرارة أجسامها، لذلك تدخل خلال فصل الشتاء في حالة من السكون أو البيات الشتوي نتيجة انخفاض درجات الحرارة وتراجع نشاطها الحيوي.
وقال إن ارتفاع درجات الحرارة مع بداية فصل الصيف يدفع الثعابين إلى الخروج من جحورها بحثًا عن الغذاء بعد فترة طويلة من عدم التغذية، كما تتجه إلى الأماكن الرطبة ومصادر المياه، وهو ما يفسر زيادة ظهورها خلال هذه الفترة من العام.
وأضاف وكيل وزارة الطب البيطري أن أغلب أنواع الثعابين الموجودة في مصر غير سامة، إلا أن هناك أنواعًا محدودة تمثل خطورة كبيرة، وفي مقدمتها الكوبرا المصرية، مؤكدًا أن التعرض للدغة من هذه الأنواع يستلزم التدخل الطبي الفوري لتجنب المضاعفات.
وكشف الدكتور محمد بشار أنه عقب ظهور الحالات الأخيرة، تم تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن مديريات الطب البيطري والزراعة والصحة، إلى جانب مجالس المدن، لمتابعة تطورات الموقف واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشار الثعابين والتعامل مع أي بلاغات بصورة عاجلة.
وأكد أن المصل المضاد للدغات الثعابين متوافر بجميع المستشفيات العامة والمركزية بمحافظة الشرقية، مشددًا على أن سرعة نقل المصاب إلى أقرب مستشفى تمثل العامل الأهم في إنقاذ حياته وتقليل المضاعفات المحتملة.
الإسعافات الأولية عند التعرض للدغة
وأوضح أن التعامل الصحيح مع المصاب يبدأ بالحفاظ على هدوئه ومن حوله، لأن التوتر والحركة الزائدة يسرعان انتشار السم داخل الجسم، مشيرًا إلى إمكانية وضع رباط خفيف أعلى موضع اللدغة دون إحكامه بشدة، مع ضرورة التوجه فورًا إلى أقرب مستشفى للحصول على المصل والرعاية الطبية اللازمة، مع تجنب أي محاولات شعبية لعلاج الإصابة.
واختتم الدكتور محمد بشار تصريحاته بالتأكيد على أن سرعة التصرف والهدوء عند التعامل مع حالات لدغات الثعابين يسهمان بشكل كبير في رفع فرص الشفاء، داعيًا المواطنين إلى عدم محاولة الإمساك بالثعابين أو قتلها بأنفسهم، وإبلاغ الجهات المختصة فور رصدها لضمان التعامل معها بشكل آمن.






