قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من أزقة التاريخ إلى ناطحات السحاب.. رحلة عبر الزمن في قلب باكو الساحرة

 العاصمة الأذربيجانية
العاصمة الأذربيجانية


تحولت العاصمة الأذربيجانية (باكو) خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أكثر الوجهات السياحية جاذبية وصعوداً على الخريطة الدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد على ساحل بحر قزوين، وتحديداً في شبه جزيرة أبشرون.

وتكمن الخصوصية الشديدة لهذه المدينة في قدرتها المدهشة على صهر التناقضات؛ فهي تجمع بين عبق التاريخ الإسلامي والقوقازي القديم، وبين ملامح الحقبة السوفيتية الخرسانية، وصولاً إلى الثورة المعمارية الحديثة التي جعلتها تُلقب بـ "دبي القوقاز".

إن الزائر لباكو يجد نفسه في رحلة عبر الزمن، ينتقل فيها خلال دقائق معدودة من أزقة القرون الوسطى الضيقة إلى أسفل ناطحات سحاب زجاجية عملاقة تحاكي المستقبل، مما يمنح هذه العاصمة هوية بصرية وثقافية لا تشبه أي مكان آخر في العالم.

المدينة القديمة (إيتشيري شيهير).. تاريخ ينبض خلف الأسوار

وتعتبر المدينة القديمة، المعروفة محلياً باسم (إيتشيري شيهير)، النواة التاريخية الأولى التي ولدت من رحمها عاصمة أذربيجان، وهي محمية بالكامل ومدرجة كأحد مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.

وعند عبور البوابات الحجرية الضخمة لهذه المنطقة، يشعر الزائر وكأنه انعزل تماماً عن صخب الحياة العصرية؛ حيث تلتف الأزقة الضيقة المرصوفة بالحصى لتكشف عن منازل حجرية عتيقة ذات شرفات خشبية مزخرفة، وخانات قديمة كانت في الماضي محطات رئيسية لاستراحة القوافل التجارية على طريق الحرير التاريخي.

وفي قلب هذا الإرث التاريخي الممتد، يبرز (برج العذراء)، كأحد أكثر المعالم غموضاً وإثارة للجدل بين المؤرخين، نظراً لشغف القصص الأسطورية المحيطة بأسباب بنائه الأسطواني الفريد الذي يعود إلى قرون مضت، ويوفر الصعود إلى قمته، إطلالة بانورامية تجمع بين أسطح المدينة القديمة ومياه بحر قزوين.

وعلى مقربة منه يقف مجمع قصر الشروان شاه، الذي يمثل ذروة الإبداع المعماري الأذربيجاني في القرن الخامس عشر، ويضم القصر غرفاً ملكية ومساجد أثرية ومقابر عائلية وبقايا حمامات تقليدية، تعكس بدقة طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية لحكام تلك الحقبة.

الثورة المعمارية الحديثة.. أبراج اللهب ومركز حيدر علييف

وعند الالتفات نحو أفق باكو الحديث، تتجلى بوضوح معالم النهضة المعمارية المستوحاة من الطفرة الاقتصادية، وفي مقدمتها (أبراج اللهب) الثلاثة التي باتت الرمز البصري الأشهر للمدينة.

وتم تصميم هذه الأبراج الطويلة لتأخذ شكل ألسنة النيران المتصاعدة، وهو تصميم مستلهم من الإرث الثقافي التاريخي لأذربيجان، باعتبارها "أرض النار"، وتتميز هذه الأبراج بتغطيتها بآلاف الشاشات الضوئية التي تتحول ليلاً إلى لوحة فنية متحركة تحاكي النيران المشتعلة وحركة الموج الأزرق، لتضفي سحراً مستقبلياً خاصاً على ليل العاصمة.

وفي سياق متصل بالإبداع الهندسي العالمي، يقف مركز حيدر علييف الثقافي، كأحد أعظم التحف المعمارية التي صممتها المعمارية العراقية الراحلة زها حديد.

ويمتاز المبنى بشكل انسيابي متموج أبيض بالكامل، يخلو تماماً من الزوايا الحادة أو الخطوط المستقيمة، ليعبر عن فكرة التدفق والاتصال بين الماضي والمستقبل.

ولا يقتصر جمال المركز على تصميمه الخارجي المذهل الذي يجذب عشاق التصوير والهندسة، بل يمتد إلى الداخل عبر قاعات عرض تفاعلية ومتاحف فنية تستعرض ملامح التاريخ، والأزياء، والآلات الموسيقية، والفنون الشعبية الأذربيجانية بأساليب تكنولوجية متطورة.

الحياة الساحلية الممتدة.. بلوفار باكو وفينيسيا المصغرة

ويمثل الكورنيش الساحلي، أو ما يعرف باسم (بلوفار باكو)، الشريان الترفيهي الرئيسي لسكان المدينة وزوارها، وهو متنزه ضخم يمتد لعدة كيلومترات على محاذاة بحر قزوين. وتم تأسيس هذا الكورنيش قبل أكثر من مئة عام، وخضع لعمليات توسعة وتطوير هائلة، ليضم مساحات خضراء منسقة، وأشجاراً نادرة، ومسارات طويلة مخصصة للمشي وركوب الدراجات، فضلاً عن المقاهي والمطاعم الراقية والمجمعات التجارية الممتدة على طول الساحل.

وضمن هذا الشريط الساحلي المتميز، يمكن للزوار الاستمتاع بـ منطقة فينيسيا المصغرة، وهي عبارة عن قنوات مائية اصطناعية صممت لتطابق نمط مدينة البندقية الإيطالية؛ حيث تنتشر الجسور الأنيقة والمقاهي على أطراف الممرات المائية، ويمكن ركوب قوارب الجندول التقليدية للاسترخاء وسط أجواء هادئة.

وبالقرب منها، يقع (متحف السجاد الأذربيجاني)، والذي يشكل تحفة بحد ذاته؛ حيث يتخذ مبناه الخارجي شكل سجادة ضخمة مطوية، ويحتوي في داخله على أكبر وأندر تشكيلة من السجاد اليدوي في العالم، مستعرضاً تقنيات الحياكة التاريخية والرموز الثقافية المتنوعة لكل منطقة من مناطق أذربيجان.

نبض التسوق والحركة.. شارع نظامي وميدان النوافير

وإذا كان الزائر يبحث عن الحيوية والتسوق واستكشاف نمط الحياة اليومي الصاخب في باكو، فإن شارع نظامي المخصص بالكامل للمشاة هو الوجهة المثالية بلا منازع؛ حيث يمتد هذا الشارع التجاري الطويل محاطاً بمبانٍ سكنية وحكومية فخمة ذات واجهات معمارية كلاسيكية مستوحاة من الطراز الأوروبي، والتي بنيت في أواخر القرن التاسع عشر خلال فترة الطفرة النفطية الأولى.

ويضم الشارع تشكيلة واسعة من المتاجر العالمية، ودور الأزياء، إلى جانب المطاعم المحلية التي تقدم المأكولات الأذربيجانية التقليدية، مثل الكباب والبلوف والباخلافا.

وينتهي الشارع بالوصول إلى ميدان النوافير، وهو نقطة التجمع المركزية الأكثر شهرة في قلب العاصمة الأذربيجانية، ويكتسب الميدان اسمه من النوافير المائية المتعددة ذات التصاميم الهندسية والفنية المبتكرة التي تتوسط الساحة والمضاءة بألوان زاهية في المساء.

وتحيط بالميدان حدائق منسقة ومقاعد عامة ومقاهي مفتوحة في الهواء الطلق، مما يجعله مكاناً مفضلاً للاسترخاء، ومتابعة الفعاليات الثقافية والعروض الفنية الحية التي ينظمها الفنانون المحليون بصفة دورية.

خارج حدود المركز .. جبل النار وأسرار غوبوستان

ولا تكتمل التجربة السياحية في باكو، دون الخروج قليلاً نحو ضواحيها ومحيطها الجغرافي في شبه جزيرة أبشرون؛ حيث توجد مواقع طبيعية وتاريخية بالغة الغرابة والأهمية. ومن أبرز هذه المواقع (جبل النار "يانار داغ")، وهو تل ترابي طبيعي تشتعل فيه النيران بشكل تلقائي ومستمر منذ آلاف السنين دون توقف، وتعود هذه الظاهرة إلى تدفق الغازات الطبيعية المستمر من باطن الأرض عبر الشقوق الصخرية، مما يخلق مشهداً متوهجاً يثير دهشة الزوار، لا سيما في أوقات المساء والليل.

وعلى مسافة أبعد قليلاً نحو الجنوب، تقع محمية غوبوستان الوطنية الشهيرة، وهي موقع أثري وتاريخي بارز مسجل لدى اليونسكو، وتحتوي على آلاف النقوش والرسومات الصخرية الفريدة التي تعود إلى العصر الحجري، وتوثق بوضوح نمط حياة الإنسان البدائي، وطرق صيده، وحيوانات المنطقة، ورقصاتها الطقسية القديمة.

وعلاوة على التاريخ، تضم غوبوستان ظاهرة البراكين الطينية النادرة؛ حيث تمتلك أذربيجان ما يقرب من نصف البراكين الطينية الموجودة في العالم، وهي براكين صغيرة تتدفق منها مادة طينية باردة غنية بالمعادن، توفر تجربة بصرية وجيولوجية استثنائية، يقصدها السياح للاستكشاف والعلاج الطبيعي.

ومن خلال تلك الجولة، يمكن القول إن مدينة باكو ليست مجرد عاصمة سياسية أو مركز اقتصادي للدولة الأذربيجانية، بل هي وجهة سياحية متكاملة الأركان، قادرة على إبهار كافة فئات المسافرين.

إن التنوع الهائل بين عراقة أزقة إيتشيري شيهير، وسحر شواطئ بحر قزوين، جنباً إلى جنب مع التطوير التكنولوجي والمعماري الفائق لـ (مركز حيدر علييف)، يجعل من زيارة باكو تجربة ثقافية وإنسانية غنية تظل محفورة في الذاكرة، وتؤكد أحقيتها في أن تكون واحدة من أجمل مدن الشرق وأكثرها تميزاً وعصرية.