قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بابلو نيرودا.. الشاعر الذي هزم الموت بالقصيدة وجعل الحب وطنًا للعالم

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

لم تكن ولادة بابلو نيرودا مجرد ميلاد شاعر جديد، بل كانت بداية رحلة لصوت سيغير خريطة الشعر في القرن العشرين، ففي مثل هذا اليوم، 12 يوليو، ولد طفل في قرية بارال الصغيرة بتشيلي، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول قصائده إلى لغة يتحدث بها العشاق والثوار، وأن تصبح كلماته مرادفًا للحب والحرية والتمرد على الظلم، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيله، لا يزال نيرودا حاضرًا في وجدان العالم، يؤكد أن القصيدة الحقيقية لا تموت، وأن الكلمة الصادقة قادرة على هزيمة الزمن.

ولد بابلو نيرودا، واسمه الحقيقي ريكاردو إليسير نيفتالي رييس باسوالتو، في 12 يوليو عام 1904 بقرية بارال وسط تشيلي، ولم تكد تمر أسابيع على ميلاده حتى فقد والدته روزا باسوالتو التي توفيت متأثرة بمرض السل، لينشأ في كنف والده خوسيه ديل كارمن رييس، الذي عمل في السكك الحديدية، قبل أن تتولى زوجة أبيه ترينيداد كانديا ماربيردي رعايته، وظل يذكرها طوال حياته باعتبارها الأم التي منحته الحنان والاستقرار.

انتقلت الأسرة إلى مدينة تيموكو، وهناك بدأت ملامح الشاعر تتشكل وسط الغابات الكثيفة والأنهار والجبال وسواحل المحيط الهادئ، وقد تركت هذه الطبيعة الساحرة أثرًا عميقًا في وجدانه، فكانت مصدرًا دائمًا لإلهامه، وظهرت بوضوح في قصائده التي مزجت بين الإنسان والطبيعة والحب والوحدة.

بدأ نيرودا كتابة الشعر وهو في الخامسة عشرة من عمره، وفي عام 1920 اختار لنفسه الاسم الأدبي "بابلو نيرودا"، الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أشهر الأسماء في تاريخ الأدب العالمي، وبعد انتقاله إلى العاصمة سانتياجو عام 1921 لدراسة اللغة الفرنسية، انفتح على الحياة الثقافية والسياسية، قبل أن يقرر التفرغ للأدب، لتبدأ رحلة إبداعية استثنائية.

وجاءت انطلاقته الحقيقية عام 1924 مع صدور ديوانه الأشهر "عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة"، الذي حقق نجاحًا هائلًا داخل تشيلي وخارجها، وترجم إلى عشرات اللغات، وأصبح أحد أكثر دواوين الشعر انتشارًا في العالم، ومن بين قصائده الخالدة تلك التي يقول فيها: "في هذه الليلة، أستطيع أن أكتب أكثر القصائد حزنًا"، وهي واحدة من أشهر قصائد الحب في الأدب العالمي.

لكن نيرودا لم يكتف بأن يكون شاعرًا للعشق، بل أصبح أيضًا شاعرًا للقضايا الإنسانية، فقد انضم إلى الحزب الشيوعي، وانتخب عضوًا في مجلس الشيوخ، كما عمل سفيرًا لبلاده في عدد من العواصم، مؤمنًا بأن الشاعر لا يعيش بعيدًا عن هموم شعبه، ودفع ثمن مواقفه السياسية بالنفي والملاحقة، لكنه ظل متمسكًا بقناعاته حتى النهاية.

ومع اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، ازداد حضوره السياسي والأدبي، فكتب قصائد تندد بالفاشية، كان أبرزها ديوان "إسبانيا في القلب"، قبل أن تتوالى أعماله الكبرى مثل "النشيد الشامل" و"مائة سوناتة حب" و"أحجار السماء" و"آخر الأشعار"، التي رسخت مكانته كأحد أهم شعراء القرن العشرين.

وفي عام 1971 توجت مسيرته بحصوله على جائزة نوبل في الأدب، تقديرًا لما وصفته الأكاديمية السويدية بأنه شعر "يمنح الحياة والمصير لقارة بأكملها"، كما نال الدكتوراه الفخرية من جامعة أكسفورد، بينما وصفه الروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز بأنه "أعظم شاعر في القرن العشرين بجميع اللغات"، فيما اعتبره الناقد الأمريكي هارولد بلوم شاعرًا سبق عصره.

ورحل بابلو نيرودا عن عمر ناهز 69 عامًا، متأثرًا بمرضه تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا هائلًا ما زال يلهم أجيالًا من القراء والكتاب حول العالم، ولا يزال حضوره متجددًا في الثقافة العالمية، ليس فقط عبر دواوينه التي ترجمت إلى معظم لغات العالم، أو سيرته الذاتية "أعترف بأنني قد عشت"، بل أيضًا من خلال الأعمال التي استلهمت حياته، وفي مقدمتها رواية "ساعي البريد ونيرودا" للكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا، الذي رحل في أكتوبر 2024، والتي قدمت صورة إنسانية وشاعرية للشاعر الكبير، قبل أن تتحول إلى فيلم عالمي حقق نجاحًا واسعًا.

ويبقى بابلو نيرودا أكثر من مجرد شاعر حائز على نوبل؛ فهو أحد الأصوات التي أثبتت أن الكلمة قادرة على مواجهة الطغيان، وأن القصيدة تستطيع أن تعيش أطول من أصحابها، وبين الحب والثورة، والطبيعة والسياسة، كتب نيرودا سيرته وسيرة شعبه، ليظل اسمه حاضرًا كلما ذكر الشعر الذي لا يشيخ، والكلمة التي لا تموت.