سؤال يضعنا أمام الميزان الاستراتيجي الأخطر لمستقبل القارة السمراء، وهو سؤال ينبثق من قلب المعادلة الدولية الراهنة:
هل تنجح إفريقيا في فرض نفسها كـ "نمور اقتصادية جديدة" واعدة، أم أن القوى الاستعمارية القديمة والجديدة تستدرجها عبر هندسة الفتن إلى "مستنقع الاحتراب والتمزيق"؟!
إن قراءة المشهد بروية صحفية وتحليل للمشهد بعمق القراءة الجيوسياسية والدينية، تكشف أن إفريقيا اليوم تعيش ممرًا تاريخيًا ضيقًا تتجاذبها فيه قوى البناء والدمار؟؟!!.
بعنوان استرشادى: إفريقيا بين وثبة النمور وفخاخ الاحتراب..قراءة في المآلات الاستراتيجية
أولاً: مسار "النمور الإفريقية".. مقومات الوثبة الاقتصادية:
إن القول بأن إفريقيا مرشحة لتكون أرض "النمور الاقتصادية" القادمة ليس رجمًا بالغيب، بل تستند إليه معطيات هيكلية ورقمية ضخمة تجعل القارة محط أنظار العالم:الكتلة البشرية الشابة: في وقت تعاني فيه أوروبا والشرق الآسيوي من الشيخوخة الديموجرافية، تمتلك إفريقيا مجتمعًا فتيًا؛ حيث إن أكثر من 60% من سكان القارة تحت سن 25 عامًا.
هذه القوة الإنتاجية والاستهلاكية هي الوقود الأساسي لأي طفرة صناعية قادمة.
اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA): تمثل أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية.
هذه الاتفاقية بدأت بالفعل في تفكيك الحدود الجمركية وخلق سوق موحدة تضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، مما يمهد لظهور تكتل اقتصادي عملاق.
نماذج صاعدة (النمور الحقيقية): هناك دول بدأت بالفعل في صياغة قصص نجاح مبهرة؛ مثل رواندا التي تحولت من أنقاض الإبادة الجماعية إلى عاصمة التكنولوجيا والنمو المستدام في شرق إفريقيا، وكينيا بريادتها في الاقتصاد الرقمي، وتنزانيا وكوت ديفوار بمعدلات نمو تتجاوز 6% سنويًا.
ثانياً: سيناريو الاستدراج والتمزيق.. فخاخ الجغرافيا السياسية:
على الجانب المقابل، هناك قوى دولية ومحلية لا يروق لها أن تصحو القارة من غفوتها، فتتحرك بوعي أو بدون وعي لجرها إلى مربع "الاحتراب والتفتيت" عبر عدة آليات:صراع النفوذ الدولي (الحرب الباردة الجديدة): تحولت إفريقيا إلى ساحة كسر عظم بين معسكرين؛ المعسكر الغربي (الولايات المتحدة وأوروبا) الساعي للحفاظ على نفوذه التاريخي، والمعسكر الشرقي (الصين عبر استثماراتها واستحواذها الاقتصادي، وروسيا عبر ذراعها الأمني والعسكري).
هذا الصراع لا يتردد في توظيف الأزمات المحلية لزعزعة استقرار الأنظمة.
أحزمة الانقلابات والإرهاب: ما يحدث في منطقة الساحل الإفريقي "مالي، بوركينا فاسو، النيجر" وانتقال الفوضى إلى تشاد، وصولاً إلى الفتنة الطاحنة في السودان يعكس كيف يمكن استغلال الهشاشة الأمنية وغياب التنمية لإنشاء خلايا إرهابية وحركات تمرد تعيد القارة عقودًا إلى الوراء.
تسييس الإثنيات (النموذج الجنوب إفريقي): كما نشاهد في أزمة جنوب إفريقيا، فإن اللعب على وتر القبلية والعرقية وصناعة "عدو داخلي" (مثل المهاجرين أو العرقيات المنافسة) هو أسرع طريق لتفجير الدول من الداخل دون الحاجة لتدخل عسكري خارجي مباشر.
الاستدلال الديني العميق: السنن الإلهية في نهوض الأمم وسقوطهاإن المقاربة الإسلامية لواقع الأمم لا تنظر إلى الثروات المادية وحدها، بل تربط النهوض بصلاح الأنفس واجتماع الكلمة والعدل، وتربط السقوط بالظلم والتنازع.
وهنا تبرز ثلاثة ضوابط شرعية تفسر مصير القارة:شؤم التنازع والفشل حيث يحذرنا الحق سبحانه وتعالى من أن الاحتراب الداخلي والتنازع العرقي والسياسي هو الماحق الأول لقوة الأمم ودولها، حيث يقول في محكم التنزيل"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابرين "ذهاب الريح" في الآية الكريمة هو عين ما يحدث للدول التي تستسلم للحروب الأهلية؛ حيث تفقد هيبتها، وسيادتها، وقوتها الاقتصادية.
العدل أساس عمارة الأرض: لن تتحول إفريقيا إلى نمر اقتصادي بالثروات المدفونة في باطنها (كالذهب والماس والكولتان) ما لم يُقم الحكام العدل ويحاربوا الفساد. فالسنّة الإلهية قاضية بأن:"الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة".
فالعدل وحقن الدماء هما الممهد البنيوي للاستقرار والتنمية.تغيير ما بالأنفس لتبديل الحال: إن الانتقال من مرحلة التبعية والفقر إلى مرحلة الريادة الاقتصادي مشروط بتغيير العقلية الإفريقية، والاعتماد على الذات، ورفض الرضوخ للإملاءات الخارجية، مصداقاً لقوله تعالى:إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْالرؤية الاستشرافية: أي المسارين سيكتب مستقبل القارة؟أستاذ ياسر، إن إفريقيا ليست كتلة صماء، ولذلك لن تسير باتجاه واحد؛ بل نحن أمام "إفريقيا مجزأة المسارات" خلال العقد المقبل:شمال وشرق إفريقيا وبعض جيوب الغرب: مرشحة بقوة لقيادة نموذج "النمور".
هناك وعي متزايد لدى الإدارات السياسية في هذه المناطق"ومصر في قلب هذا المشهد بمشروعاتها البنيوية وعلاقاتها القارية" بضرورة تفعيل الشراكات الاقتصادية، والربط اللوجستي، وصياغة تحالفات ترفض المحاور الدولية وتُعلي شعار "الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية".
الحزام الأوسط (الساحل والوسط الإفريقي): مع الأسف، هذا الحزام هو الأكثر عرضة للاستدراج نحو "الاحتراب والنزيف المستمر"، لأن البنية القبلية هناك هشّة، والتدخلات الاستخباراتية الدولية كثيفة، والفقر المدقع يحوّل الشباب إلى وقود للميليشيات والجماعات المتطرفة.الخلاصة الصحفية: إن معركة إفريقيا الحقيقية اليوم ليست معركة موارد، بل هي معركة وعي وسيادة. فإما أن تنجح النخب الفكرية والسياسية في لجم نعرات التنازع والتبعية لتطلق مارد "النمور الإفريقية"، أو أن تترك الشارع للشعبوية والتدخل الخارجي، فيتحول المارد إلى ضحية في مسرح الاحتراب الدولي.
ياسر عبيدو يكتب: هل تنجح إفريقيا في فرض نفسها كـ "نمور اقتصادية جديدة" واعدة؟