في عالم تبدو فيه قوانين الطبيعة مختلفة عن الأرض، يقف على سطح المريخ عملاق صامت يروي قصة استمرت ملايين السنين إنه جبل أوليمبوس، أعلى جبل وأضخم بركان معروف في النظام الشمسي، والذي لا يزال حتى اليوم يحير العلماء بحجمه الهائل وطريقة تشكله التي كسرت كل القواعد الجيولوجية المعروفة على كوكبنا.
رحلة اكتشاف بدأت قبل أكثر من قرن
بدأت الحكاية عندما رصد الفلكي الإيطالي جيوفاني سكياباريلي تضاريس غامضة على سطح المريخ في القرن التاسع عشر، لكن اللغز بقي بلا إجابة حتى عام 1971، حين أرسلت وكالة ناسا مركبة "مارينر 9" التي كشفت لأول مرة عن بركان عملاق يعلو فوق سهول الكوكب الأحمر بارتفاع يتراوح بين 22 و25 كيلومترًا، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف ارتفاع قمة جبل إيفرست.
ولا يقتصر تميز أوليمبوس على ارتفاعه فقط، إذ تمتد قاعدته لنحو 600 كيلومتر، وهي مساحة تعادل دولة كاملة، فيما تحيط به منحدرات شاهقة جعلته واحدًا من أكثر المعالم الجيولوجية إثارة في الكون.
سر العملاق لماذا لم يتوقف عن النمو؟
يكمن السر في اختلاف المريخ جذريًا عن الأرض فبينما تتحرك الصفائح التكتونية على كوكبنا باستمرار، ما يؤدي إلى انتقال النشاط البركاني من مكان إلى آخر، ظل سطح المريخ ثابتًا لملايين السنين.
هذا الثبات سمح للصهارة بالصعود من النقطة نفسها مرارًا، فتراكمت طبقات الحمم فوق بعضها البعض حتى نشأ هذا البركان العملاق، الذي استمر في النمو لفترة أطول بكثير من أي بركان أرضي.
جاذبية ضعيفة حفظت الجبل من الانهيار
ولم يكن ثبات القشرة وحده هو السبب، فالجاذبية على المريخ لا تتجاوز 38% من جاذبية الأرض، ما سمح بتكوين جبل شاهق دون أن ينهار تحت وزنه.
كما أن الكوكب الأحمر يفتقر إلى الأنهار والأمطار والمحيطات والحركة الجليدية التي تنحت جبال الأرض باستمرار، بينما تظل الرياح المريخية أضعف من أن تؤثر في هذا البناء الصخري الهائل، لتبقى طبقاته محفوظة منذ مئات ملايين السنين.
سجل جيولوجي يكشف أسرار الكوكب الأحمر
يرى العلماء أن جبل أوليمبوس تشكل فوق نقطة ساخنة عميقة داخل وشاح المريخ، وأن النشاط البركاني استمر على مراحل متقطعة عبر عصور طويلة، ما جعله أشبه بأرشيف جيولوجي يسجل تاريخ الكوكب.
وتزداد أهمية هذه الدراسات مع اقتراب بعثات الاستكشاف المستقبلية إلى المريخ، إذ يساعد فهم تاريخ البركان على كشف طبيعة باطن الكوكب، وإمكانية وجود نشاط حراري قديم وفر بيئات مناسبة للحياة الميكروبية في الماضي.
أكثر من مجرد جبل
لم يعد أوليمبوس مجرد أعلى قمة في النظام الشمسي، بل تحول إلى دليل حي على أن اختلاف الظروف الطبيعية بين الكواكب قادر على صناعة عوالم لا تشبه الأرض.
فبينما تعيد الزلازل والأمطار والصفائح التكتونية تشكيل تضاريس كوكبنا باستمرار، احتفظ المريخ بهذا العملاق البركاني ملايين السنين، ليصبح نافذة مفتوحة أمام العلماء لفهم تاريخ الكواكب الصخرية، وربما إعادة كتابة جزء من قصة نشأة النظام الشمسي بأكمله.




