لم تعد الأنشطة الثقافية تقتصر على قاعات الندوات أو المسارح المغلقة، بل أصبحت تتجه إلى الشوارع والميادين، وإلى المناطق الأكثر احتياجًا، لتؤكد أن الثقافة حق للجميع وليست امتيازًا لفئة بعينها، فمن ورش الإبداع داخل مناطق الإسكان البديل، إلى العروض الفنية في الحدائق والشواطئ، ومن صالونات الفكر التي تناقش قضايا الوعي وإعمال العقل، إلى الفعاليات التي تستحضر التاريخ والهوية الوطنية، تواصل الهيئة العامة لقصور الثقافة تنفيذ رؤية تستهدف الوصول بالخدمة الثقافية إلى كل مواطن، باعتبارها أحد أهم أدوات بناء الإنسان، وترسيخ الهوية الوطنية، ومواجهة الأفكار المتطرفة بالفكر والفن والمعرفة.
وفي هذا الإطار، شهدت محافظات عدة خلال الأيام الماضية سلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية المتنوعة، التي نظمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، ضمن برامج وزارة الثقافة، لتقدم نموذجًا متكاملًا يجمع بين التثقيف والإبداع والترفيه الهادف.
ففي مناطق الإسكان البديل، واصلت الهيئة تنفيذ مشروعها الثقافي بالمراكز الثقافية في الأسمرات والخيالة وروضة السيدة زينب، حيث تنوعت الأنشطة بين اللقاءات التوعوية وورش الفنون والحرف اليدوية والأنشطة الموجهة للأطفال.
واستضاف المركز الثقافي بالأسمرات لقاء بعنوان "ذكاء المستقبل.. نفكر ونبتكر"، تناول مفهوم الذكاء الاصطناعي وأبرز تطبيقاته في الحياة اليومية، بأسلوب مبسط يناسب الأطفال، أعقبته مسابقات ثقافية، إلى جانب ورش فنية لتعليم الطباعة الفنية، وتصميم الدمى باستخدام خامات متنوعة، بما يسهم في تنمية مهارات التفكير والإبداع لدى المشاركين.
وفي روضة السيدة زينب، جاءت الفعاليات مواكبة لعدد من المناسبات الوطنية والعالمية، حيث أقيمت لقاءات توعوية بمناسبة اليوم العالمي للسكان، وأخرى للتعريف بالمعالم السياحية المصرية، بالإضافة إلى ورش فنية لتصميم تيجان وأساور بألوان العلم المصري، ومجلة حائط احتفاء بذكرى ثورة 23 يوليو، إلى جانب أنشطة للرسم والتلوين، والأوريجامي، وإعادة التدوير، وتحريك العرائس، ومسابقات ثقافية استهدفت تنمية الحس الإبداعي وتعزيز الانتماء لدى الأطفال.
أما بالمركز الثقافي بالخيالة، فقد خُصصت الفعاليات لتعزيز قيم المواطنة والانتماء، من خلال لقاء بعنوان "معًا نحافظ على وطننا"، تناول أهمية الحفاظ على الممتلكات العامة واحترام النظام وصون البيئة، أعقبه تنفيذ ورش فنية عبّر خلالها الأطفال برسوماتهم وكلماتهم عن حب الوطن، إلى جانب مشغولات يدوية ساعدت على تنمية مهاراتهم الفنية.
وفي محافظة الغربية، اختتمت الهيئة احتفالاتها بذكرى ثورة 23 يوليو بتنظيم احتفالية ثقافية وفنية على مسرح 23 يوليو بمدينة المحلة الكبرى، تضمنت محاضرة بعنوان "الثورة ومكتسبات المرأة المصرية"، استعرضت خلالها الباحثة فريدة المصري أبرز الحقوق التي حصلت عليها المرأة عقب الثورة، ومنها حق الانتخاب والترشح، ومجانية التعليم، وتوسيع فرص العمل، مؤكدة أن الثورة لم تكن مجرد تغيير سياسي، وإنما مشروعًا اجتماعيًا استهدف تحقيق العدالة والكرامة للمواطنين.
وتواصلت الاحتفالية بعرض فني لفرقة مركز تنمية المواهب، التي قدمت مجموعة من التابلوهات الاستعراضية المستوحاة من التراث والوجدان الوطني، في مشهد عكس الدور الذي تؤديه الفنون في الحفاظ على الهوية المصرية وتعزيز الانتماء.
وفي كفر الشيخ، استمرت فعاليات مبادرة "شارع الفن"، التي أطلقتها وزارة الثقافة ضمن المشروع القومي للفنون في الشارع المصري "الثقافة حياة"، حيث احتضنت حديقة صنعاء معرضًا لرسوم الأطفال، أتاح للمواهب الصغيرة عرض إبداعاتها أمام الجمهور، بينما قدمت فرقة كفر الشيخ للفنون الشعبية عروضًا تراثية مستوحاة من البيئة المصرية، وسط تفاعل كبير من الحضور، في تأكيد على أهمية نقل الفنون إلى الفضاءات العامة وإتاحة الثقافة للجميع.
كما واصلت محافظة الإسكندرية استقبال فعاليات برنامج "شاطئ الفن"، الذي يعد أحد أبرز البرامج الصيفية للهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث أحيت فرقة طنطا للموسيقى العربية أمسية طربية قدمت خلالها باقة من الأغنيات التراثية التي أعادت الجمهور إلى زمن الفن الجميل، فيما قدمت فرقة بورسعيد القومية للفنون الشعبية عددًا من التابلوهات المستوحاة من تراث مدن القناة، في مشهد جسّد التنوع الثقافي والفني الذي تزخر به المحافظات المصرية.
وتستمر فعاليات "شاطئ الفن" طوال الموسم الصيفي، من خلال عشرات العروض المجانية التي تستهدف تقديم الفنون الراقية للجمهور على شواطئ الإسكندرية، في إطار استراتيجية نشر الثقافة خارج المؤسسات التقليدية.
وفي معرض بورسعيد التاسع للكتاب، شاركت الهيئة العامة لقصور الثقافة ببرنامج فني وثقافي متنوع، كان من أبرز فعالياته الأمسية التي أحيتها فرقة بورسعيد للإنشاد الديني، حيث قدمت مجموعة من الابتهالات والمدائح النبوية والأناشيد الدينية التي أضفت أجواءً روحانية على المعرض، وسط تفاعل واسع من الزائرين.
كما تشارك الهيئة في المعرض بأكثر من 200 عنوان من أحدث إصداراتها بأسعار مخفضة، إلى جانب برنامج فني وثقافي متكامل يضم عروض الفرق الفنية والورش والندوات، بما يعزز من دور المعرض كمنصة لنشر المعرفة وتحقيق العدالة الثقافية.
وعلى صعيد تعزيز الفكر والوعي، استضاف قصر ثقافة كفر الدوار صالون الثقافة الجماهيرية بعنوان "الوعي وإعمال العقل"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمفكرين، حيث ناقش المشاركون مفهوم الوعي، ودور العقل في بناء الإنسان، وأثر التربية في تشكيل السلوك، وأهمية التفكير النقدي في التعامل مع قضايا العصر، مؤكدين أن بناء المجتمعات يبدأ ببناء العقول، وأن الثقافة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الجهل والتطرف والأفكار الظلامية.
وتعكس هذه الفعاليات، بتنوعها الجغرافي والفكري والفني، توجهًا واضحًا نحو ترسيخ مفهوم الثقافة باعتبارها خدمة عامة وأداة للتنوير والتنمية، لا تقتصر على تقديم العروض والأنشطة، وإنما تسهم في بناء الإنسان، وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة، واكتشاف الموهوبين، وإتاحة الفرصة للأطفال والشباب للإبداع، بما يدعم جهود الدولة في نشر المعرفة وتحقيق العدالة الثقافية والوصول بالخدمة الثقافية إلى مختلف المحافظات والفئات المجتمعية.