قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الأزهري ينعى الشيخ سعيد النجار أحد أقدم أعضاء مقارئ وزارة الأوقاف

وزير الأوقاف
وزير الأوقاف

نعى الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، ببالغ الحزن والأسى، الشيخ سعيد النجار، أحد أقدم أعضاء مقارئ وزارة الأوقاف، وأحد أقدم الدارسين بالمسجد الأحمدي، الذي وافته المنية بعد حياة حافلة بخدمة القرآن الكريم وأهله.

وزير الأوقاف ينعى الشيخ سعيد النجار أحد أقدم أعضاء مقارئ وزارة الأوقاف

وكان الفقيد من أبناء الوزارة المخلصين، حيث عمل مؤذنًا وقارئًا لسورة الكهف بمسجد سيدي سويد بمنيل التهويشات، وظل مثالًا في الإخلاص والتواضع وحسن الخلق، ملازمًا للمقارئ ومجالس القرآن حتى آخر أيامه.

وتقدم وزير الأوقاف بخالص العزاء إلى أسرة الفقيد الكريمة، وإلى طلابه ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه في خدمة القرآن الكريم، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبلة 

يذكر أن وزارة الأوقاف كانت قد حددت موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ/ ٧ أغسطس - ٢٠٢٦م بعنوان: «التنمر وأثره على شخصية الإنسان» اما الخطبة الثانية: «السخرية ليست خفة ظل». 

الخطبة الأولى: التنمر وأثره على شخصية الإنسان

الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وأصلي وأسلم على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، أما بعد:

فإنَّ المجتمعاتِ لا تُقاس برقيِّ عمرانها ولا بما بلغتْه من مظاهر التقدُّم المادي فحسب، وإنما تُقاس قبل ذلك بما يسودها من قيم الرحمة والاحترام وصيانة الكرامة الإنسانية، وإن من أخطر الآفات التي تهدِّد هذه القيم، وتفتك بالنسيج الاجتماعي، آفة التنمُّر؛ والتي تقوم على ازدراء الآخرين، والحطِّ من قدرهم، وإيذائهم قولًا أو فعلًا أو إشارةً، حتى غَدَت في عصرنا من أكثر السلوكيات انتشارًا في البيئات التربوية والأسرية والعملية، ثم اتسعت رقعتها عبر وسائل التواصل الرقمي، فخلَّفت جراحًا نفسيةً عميقة، وآثارًا اجتماعيةً وأخلاقيةً بالغة الخطورة.

وقد جاءتِ الشريعةُ الإسلامية بمنهج متكامل يجتثُّ جذور هذه الآفة قبل مظاهرها، إذ التنمُّر اعتداء على حقٍّ أصيل من حقوق الإنسان، وإفسادٌ للعلاقات بين الناس، وهو منافٍ لمقاصد الشريعة التي قامت على حفظ الكرامة، وتحقيق الألفة، وإشاعة الرحمة، وبناء مجتمعٍ تسوده المودة والاحترام المتبادل، وإليك بيان ذلك:

مفهوم التنمر
التنمُّر في اللغة: مشتق من النَّمِر؛ وهو الحيوان المعروف بالشدة والجرأة والافتراس، فيقال: تنمَّر فلان إذا تشبَّه بالنمر في غلظته وشدته، وأظهر التكبر والعدوان وسوء المعاملة.

أما في الاصطلاح، فهو: سلوك عدواني من شخص يقصد إلحاق الأذى بالآخرين أو إذلالهم أو الانتقاص منهم، مستغلًا تفوّقًا حقيقيًا أو متوهّمًا في القوة أو المكانة أو النفوذ، ويكون هذا السلوك بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الوسائل الإلكترونية.

ولا يقتصر التنمر على الإيذاء الجسدي، بل يشمل كل ما يمس كرامة الإنسان أو يوقعه في الحرج أو الخوف أو العزلة.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتحريم كل صور الاعتداء على الإنسان، وجعلت حفظ الكرامة الإنسانية أصلًا من أصولها، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فكل سلوك يناقض هذا التكريم أو ينتقص من قدر الإنسان فهو مما يرفضه الإسلام وينهى عنه.

الفرق بين الـمِزَاح المشروع والتنمر المحرم

أقر الإسلام الـمِزَاح البريء الذي يُوجِد الأنس ويؤلف بين القلوب، وكان النبي ﷺ يمزح مع أصحابه وأهل بيته، لكنه لا يقول إلا حقًا، ولم يكن مزاحه سببًا في جرح المشاعر أو الانتقاص من الكرامة، أما التنمر، فهو لون من ألوان العدوان والإيذاء، يتخذ صورة الـمِزَاح في الظاهر، بينما حقيقته السخرية والإهانة والإذلال، ولذلك كان محرمًا شرعًا؛ لأنه يناقض الأخوة الإيمانية، ويزرع العداوة والبغضاء، ويؤذي المسلم في نفسه وعرضه.

وقد قال النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه]، فالضابط في التمييز بين الـمِزَاح والتنمر هو الأثر والمقصد؛ فالـمِزَاح المشروع يورث الألفة والسرور ولا يتضمن كذبًا أو سخريةً أو إهانةً، أما التنمر فيقصد الإيذاء أو ينتهي إليه، ولو تستَّر صاحبه بستار الـمِزَاح.

صور التنمر في الواقع المعاصر
التنمر اللفظي: كالسخرية والاستهزاء، وإطلاق الألقاب المهينة، والشتم، والاستهانة بلهجة الشخص أو شكله أو لونه أو إعاقته أو مستواه الاجتماعي.
التنمر الجسدي: كالضرب والدفع والاعتداء البدني، أو إتلاف الممتلكات، أو التهديد باستخدام القوة.
التنمر النفسي: كالتخويف، والإذلال، والتحقير، والابتزاز، وإشعار الضحية بالدونية أو العجز.
التنمر الاجتماعي: كالعزل المتعمد، والإقصاء من الأنشطة، ونشر الشائعات، وإفساد العلاقات بين الناس بقصد الإضرار بالمجني عليه.
التنمر الإلكتروني: وهو من أخطر الصور المعاصرة، ويكون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المراسلة، من خلال السخرية، أو التشهير، أو نشر الصور والمقاطع الخاصة، أو التعليقات الجارحة، أو إنشاء حسابات للإساءة إلى الآخرين، مما يضاعف أثر الأذى بسبب سرعة الانتشار وصعوبة احتوائه.
إن من المؤلم أن يتحول الهاتف الذي جُعل وسيلة للتواصل إلى أداة لهدم النفوس، وتشويه السمعة، وانتهاك الخصوصية، بل إن بعض ضحايا التنمر الإلكتروني أصيبوا بالاكتئاب والعزلة، وربما أقدم بعضهم على إيذاء نفسه بالانتحار نتيجة هذا السلوك العدواني، وكل ذلك بسبب كلمةٍ لم يُلقِ صاحبها لها بالًا، ولذلك قال النبي ﷺ: «وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].

وهذه الصور جميعها يشملها النهي الشرعي؛ لأنها اعتداء على الكرامة الإنسانية، وإيذاء للمؤمنين بغير حق، وقد قال - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].

حكم التنمر في الشريعة الإسلامية
إن التنمر حرام في شريعة الإسلام وفي كل شريعة، وفي كل فكر صادق وفلسفة راقية، فإن الإيذاء والسخرية لا تكون عنوانًا لصاحب دين أو فكر مستقيم، قال الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

قال الإمام الطبري: "لا يسخر بعضكم من بعض، فإن المسخور منه قد يكون عند الله خيرًا من الساخر؛ لأن التفاضل عند الله بالتقوى والعمل الصالح" [جامع البيان].

وقال الإمام القرطبي: "لا يسخر قوم من قوم؛ أي: لا يستهزئ أحد بأحد لفقره أو ذنبه أو غير ذلك، فلعله يكون خيرًا عند الله تعالى" [الجامع لأحكام القرآن].

وقال تعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] قال الإمام الطبري: "الهُمَزة الذي يعيب الناس ويطعن فيهم، واللُّمَزة الذي يعيبهم بلسانه" [جامع البيان]، وقد نهى النبي ﷺ عن احتقار الناس فقال: «بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم» [رواه مسلم]، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَالَ: كُنْتُ أَجْتَنِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، فَكَانَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَكَانَ فِي سَاقَيْهِ دِقَّةٌ فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا تَضْحَكُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» [المعجم الكبير للطبراني].

قال العلامة عبد الرحمن الأخضري: "ولا يحل لمسلم أن ينظر إلى مسلم بنظرة تؤذيه" [مختصر الأخضري في الفقه المالكي].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ فَعَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِأُمِّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا الرَّجُلَ، فَقَالَ: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟» فَأَعَادَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِمَا قُلْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْمَلَإِ»، فَنَظَرَ إِلَى مَنْ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَنْتَ بِأَفْضَلَ مِنْ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ فِي الدِّينِ» [مسند إسحاق بن راهويه]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ مَالُهُ، وَعِرْضُهُ، وَدَمُهُ حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» [رواه أبو داود].

روى أبو داود والترمذي عن عائشة - رضي الله عنها قالتْ: قلتُ للنبيّ ﷺ حسبُك من صفيّة كذا وكذا" قال بعضُ الرواة: تعني قصيرة، فقال: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ»، قالت: وحكيتُ له إنسانًا (أي: ذكرته بما يكره من أفعاله وأحواله)، فقال: "ما أُحِبُّ أني حَكَيْتُ إنسانًا (أي: بما يكرهه)، وأنَّ لي كَذَا وكَذَا" [الأذكار للنووي].

وعن الفضيل بن عياض قال: "والله ما يحل لك أن تؤذي كلبًا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف تؤذي مسلمًا؟!" [سير أعلام النبلاء]، وعن يحيى بن سعيد: "أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق، فقال له: انفذ بسلام، فقيل: تقول هذا لخنزير؟، فقال عيسى: "إني أخاف أن أعوِّد لساني النطق بالسوء" ["الموطأ"].

وقال الإمام تاج الدين السبكي: "كنتُ جالسًا بِدِهْليز دارنا، فأقبل كلب، فقلتُ: اخسأ كلبَ ابنَ كلبٍ، فزجرني الوالدُ من داخل البيت، فقلت: أليس هو كلب ابن كلب؟ قال: شرط الجواز عدمُ قصد التحقير، فقلت: هذه فائدة" [الطبقات الكبرى].

أسباب انتشار آفة التنمر
تنشأ آفة التنمر نتيجة تداخل عوامل تربوية ونفسية واجتماعية وإعلامية، فإذا اجتمعت هذه العوامل في بيئة واحدة كانت سببًا في انتشار هذا السلوك العدواني، ومن أبرز هذه الأسباب ما يأتي:
ضعف الوازع الديني وقلة استشعار مراقبة الله، وهو من أهم أسباب التنمر؛ لأن القلب إذا خلا من تعظيم الله - تعالى - وضعف فيه خلق التقوى، لم يجد صاحبه حرجًا في الاعتداء على حقوق الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم.

التنشئة الأسرية الخاطئة والعنف داخل الأسرة، إذ هي المدرسة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، فإذا نشأ الطفل في بيئة يسودها العنف، أو الإهانة، أو التمييز بين الأبناء، أو القسوة في التربية، كان ذلك سببًا في اكتساب السلوك العدواني، فيمارسه خارج المنزل مع زملائه ومن حوله، كما أن إهمال الوالدين للجانب الأخلاقي، وعدم غرس قيم الرحمة والاحترام والتسامح، يهيئ الأبناء لممارسة التنمر أو الوقوع ضحية له.

رفقة السوء والرغبة في لفت الانتباه وإثبات القوة، فكثير من صور التنمر تنشأ نتيجة تقليد الأصدقاء أو مجاراة الرفاق، خاصة إذا كانوا يرون في السخرية من الآخرين وسيلة لإثبات الجرأة أو اكتساب المكانة بينهم، وقد يلجأ بعض الأفراد إلى التنمر تعويضًا لشعور بالنقص، أو رغبة في فرض السيطرة وإظهار القوة، مع أن القوة الحقيقية هي قوة الأخلاق وضبط النفس، لا الاعتداء على الضعفاء.

تأثير وسائل الإعلام والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، فقد أسهمت هذه الوسائل في انتشار مظاهر التنمر، من خلال ما تبثه أحيانًا من مشاهد العنف، أو السخرية، أو المحتوى الذي يكرس ثقافة الاستهزاء بالآخرين، كما أوجد الفضاء الرقمي نوعًا جديدًا من التنمر، يتمثل في التشهير، والتنابز، والسخرية، ونشر الصور أو المقاطع المسيئة، مستغلين سهولة الوصول إلى الآخرين وإخفاء الهوية في بعض الأحيان.

غياب الوسائل الرادعة وضعف الرقابة التربوية؛ حيث يساعد غياب اللوائح الواضحة أو عدم تطبيقها بصرامة وحسم على انتشار التنمر، إذ يشعر المتنمر بأنه لن يُحاسب على أفعاله، فيتمادى في إيذاء الآخرين، كما أن ضعف الرقابة داخل المؤسسات التعليمية وغيرها، وعدم سرعة التدخل لمعالجة الحالات، وقلة برامج التوعية والإرشاد، كلها عوامل تؤدي إلى استفحال هذه الآفة.

آثار التنمر على الفرد والمجتمع
لا تقف آثار آفة التنمر عند الآثار الظاهرة؛ بل تمتد عابرةً حدود لحظة الاعتداء الجسدي أو الكلمة الجارحة، لتترك ندوبًا عميقة في نفس الضحية، ثم تنعكس سلبًا على الأسرة والمؤسسات التعليمية وبيئة العمل، بل وعلى أمن المجتمع واستقراره، وذلك على النحو التالي:

الآثار النفسية: يُخلِّف التنمر آثارًا نفسية بالغة الخطورة، قد تستمر مع الإنسان سنوات طويلة، فيولد لديه مشاعر الخوف والقلق والانطواء، ويزرع في نفسه الإحساس بالدونية وفقدان الثقة بالنفس، وقد يتطور الأمر إلى الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وربما قاد بعض الضحايا إلى إيذاء أنفسهم أو التفكير في الانتحار، ومن هنا كانت الشريعة الإسلامية حريصة على حماية المشاعر الإنسانية، فحرَّمت وجرَّمت كل ما يؤدي إلى كسر القلوب وإهانة النفوس، قال النبي ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» [رواه مسلم].

الآثار التعليمية والمهنية: يؤثر التنمر تأثيرًا مباشرًا في التحصيل العلمي والأداء المهني؛ فالطالب الذي يعيش في بيئة يسودها الخوف والسخرية يفقد دافعيته للتعلم، ويضعف تركيزه، وقد يكثر غيابه أو يتسرب من الدراسة، وكذلك في بيئة العمل، يؤدي التنمر إلى انخفاض الروح المعنوية، وتراجع الإنتاجية، وكثرة النزاعات، وارتفاع معدلات الغياب والاستقالات، مما ينعكس سلبًا على المؤسسة والمجتمع.

الآثار الاجتماعية: يُفسد التنمر العلاقات بين الناس، ويقوض أواصر المحبة والتعاون، وينشر الكراهية والأحقاد، ويؤدي إلى العزلة والإقصاء وفقدان الثقة بين أفراد المجتمع. وحين يشيع هذا السلوك تضعف روح التراحم والتكافل التي دعا إليها الإسلام، ويحلَّ محلها التعصب والعدوان، ولهذا أكد القرآن الكريم على بناء المجتمع على الأخوة والاحترام، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠].

الآثار الأمنية: يمتد خطر التنمر من الأفراد إلى تهديد أمن المجتمع؛ إذ يسهم في ترسيخ ثقافة العنف، ويغذي السلوك العدواني، ويهيئ بعض الأفراد للانحراف واستسهال الجريمة والاعتداء على الآخرين، فالطفل الذي يعتاد ممارسة التنمر أو يتعرض له دون علاج قد يتحول مستقبلًا إلى شخص أكثر ميلًا للعنف أو الانتقام، مما يهدد السلم المجتمعي ويزيد من معدلات الجريمة، ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بسد كل الذرائع المؤدية إلى العدوان، ودعت إلى إشاعة العدل والرحمة والإحسان، تحقيقًا للأمن والاستقرار، وصيانةً للنفوس والأعراض.

منهج الإسلام لمواجهة التنمر
وضع الإسلام منهجًا متكاملًا لمواجهة آفة التنمر، يبدأ بإصلاح القلب، وتهذيب السلوك، وبناء مجتمع تسوده الرحمة والعدل والاحترام، ومن أبرز معالم هذا المنهج:

أولًا: ترسيخ الإيمان بأن الناس جميعًا مكرمون عند الله

ترتكز مواجهة الإسلام لآفة التنمر على ترسيخ مبدأ كرامة الإنسان، فالله - تعالى - كرَّم بني آدم جميعًا، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. فلا يجوز امتهان إنسان أو الانتقاص منه بسبب شكله أو لونه أو نسبه أو فقره أو إعاقته أو مستواه الاجتماعي، فإن معيار التفاضل عند الله هو التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: ١٣]، ومتى استقرت هذه الحقيقة في النفوس زال دافع الاستعلاء والسخرية، وحل محله الاحترام والتقدير المتبادل.

ثانيًا: تهذيب اللسان وحفظ الحقوق واحترام الآخرين

أكثر صور التنمر تبدأ بكلمة جارحةٍ أو سخريةٍ لاذعةٍ، ولذلك أولت الشريعة عناية كبيرة بحفظ اللسان، وعدَّت الكلمة أمانة يُحاسب الإنسان عليها، فقال تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، كما نهت عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب والغِيبة والنميمة، وأمر النبي ﷺ بحسن الكلام، فقال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه]، ومن ثم فإن احترام الآخرين، وصيانة أعراضهم، وكف الأذى عنهم، من أعظم وسائل مواجهة التنمر.

ثالثًا: تنمية خلق الرحمة والرفق والعفو والإحسان

يربي الإسلام أبناءه على الرحمة والرفق، لا على الغلظة والقسوة، قال النبي ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رواه الترمذي]، وقال ﷺ: «يَا عَائِشَةُ: إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» [رواه مسلم]، فكلما انتشرت هذه الأخلاق الفاضلة، ضعفت نوازع العدوان، وحلَّ محلها التعاطف والتعاون، وأصبح المجتمع أكثر أمنًا وتماسكًا.

رابعًا: إتاحة التوبة ورد المظالم والاعتذار لمن وقع عليه الأذى

إذا وقع الإنسان في التنمر، فإن الشريعة لا تغلق أمامه باب إصلاح الخطأ، بل تدعوه إلى المبادرة بالتوبة الصادقة، والإقلاع عن هذا السلوك، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، مع رد الحقوق إلى أصحابها، وطلب المسامحة ممن أُسيء إليهم. فالاعتذار الصادق وجبر الخاطر من شيم الكرام، وهو سبيل إلى إصلاح النفوس وإعادة الثقة بين أفراد المجتمع.

خامسًا: تفعيل مبدأ النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة

لا يترك الإسلام مواجهة السلوكيات المنحرفة للأفراد وحدهم، بل يجعل المجتمع كله شريكًا في الإصلاح، من خلال النصيحة الصادقة، والتوجيه بالحكمة، ومنع الظلم، وحماية الضعفاء؛ قال تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]، ومن ثم فإن التصدي للتنمر مسؤولية مشتركة تبدأ بالفرد، وتمتد إلى الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، والمؤسسات التثقيفية والإعلامية، وسائر مؤسسات المجتمع.

سادسًا: التعاطف مع الآخرين وأثره في ترسيخ معنى الأخوة

فالتعاطف من أعظم القيم التي جاء الإسلام لترسيخها؛ لأنه يقوم على مراعاة مشاعر الآخرين والوقوف إلى جانبهم، وهو من أهم الوسائل للحد من آفة التنمر، فالمتعاطف لا يحتقر غيره، بل يحترمه ويصون كرامته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَ أَخَوَیۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]، وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: "كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ» فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» [رواه مسلم].

ولله دَرُّ القائل:

أَحسِن إِلى الناسِ تَستَعبِد قُلوبَهُمُ ... فَطالَما استَعبَدَ الإِنسانَ إِحسانُ

وَقَد ورد في الأثر:

وَكُن في الطَّريقِ عَفيفَ الخُطى ... شَريفَ السَّماعِ كَريمَ النَّظَرْ

وَكُن رَجُلًا إِن أَتَوا بَعدَهُ .... يَقولونَ مَرَّ وَهذا الأَثَرْ

سابعًا: ترسيخ معنى الإيجابية في نفوس الناس

فالإيجابية من أهم القيم التي تُسهم في الحد من آفة التنمر؛ لأنها تدفع الإنسان إلى احترام الآخرين، والإصلاح بينهم، ونشر الخير، بخلاف السلبية التي تُغذي السخرية والانتقاص من الناس، قال الله - تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فهذه الآية تجعل الدعوة إلى الخير والإصلاح مسئولية جماعية، ومن أعظم صورها حماية الناس من الأذى والتنمر.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟» قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» [رواه أحمد].

ومن أروع المواقف موقفه ﷺ مع زاهر بن حرام - رضي الله عنه، وكان رجلًا دميمًا، فاحتضنه النبي ﷺ من خلفه مازحًا، ثم قال: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أَوْ قَالَ: «لَكِنْ عِنْدَ اللهِ أَنْتَ غَالٍ» [رواه أحمد].

إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى الكلمة التي تجمع، وإلى الخلق الذي يؤلف، وإلى الرحمة التي تزيل أسباب العداوة والبغضاء، وإن من أعظم أسباب قوة المجتمع أن يشعر كل فرد فيه أنه محترم، مصون الكرامة، محفوظ الحق، آمن على نفسه وعرضه.

فاتقوا الله، واجعلوا ألسنتكم عامرة بالخير، وقلوبكم مملوءة بالرحمة، وأيديكم ممدودة بالإصلاح، واحذروا أن تكونوا سببًا في جرح قلب، أو كسر نفس، أو إذلال إنسان، فإن الله سائلكم عن أقوالكم وأفعالكم، ﴿وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡءُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].

ونسأل الله تعالى أن يطهر ألسنتنا من السخرية واللمز، وقلوبنا من الحقد والبغضاء، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

الخطبة الثانية: السخرية ليست خفة ظل

يخطئ كثير من الناس حين يظنون أن السخرية لونٌ من ألوان خفة الظل، أو وسيلة لإضفاء البهجة على المجالس، فيتخذون من مشاعر الآخرين مادةً للضحك، ومن عيوبهم أو هيئاتهم أو ظروفهم سبيلًا للتسلية والترفيه، وما علموا أن الكلمة الساخرة قد تضحك مجلسًا لحظاتٍ، لكنها قد تُبكي قلبًا سنين، وأن الجرح الذي تُحدثه الألفاظ قد يكون أشد وقعًا وأطول أثرًا من جراح الأبدان، فما كانت خفة الظل يومًا في الانتقاص من الناس، ولا الذكاء في إحراجهم، وإنما في حسن الأدب، وجمال الكلمة، ولطف المعاملة، وإدخال السرور إلى النفوس من غير أذى ولا امتهان.

وقد جاء الإسلام ليهذب اللسان كما يهذب الجوارح، فحرَّم السخرية والاستهزاء واللمز والتنابز بالألقاب، وعدَّها من صور الظلم والعدوان على الكرامة الإنسانية، فقال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ...﴾ [...الحجرات: ١١]، فالمؤمن يزن كلماته بميزان الشرع والأخلاق، ويعلم أن الكلمة مسؤولية، وأن الاحترام أساس العلاقات الإنسانية، وأن الضحك الذي يقوم على إذلال الآخرين ليس خفة ظل، وإنما خفة عقل، وسوء خلق، وانحراف عن هدي الإسلام.

السخرية في ميزان الشريعة الإسلامية
تعد السخرية خلقًا مذمومًا واعتداءً على كرامة الإنسان، لما يترتب عليها من إذلال للنفوس، وإثارة للأحقاد، وتمزيق لأواصر الأخوة والمحبة، ولذلك جاءت النصوص الشرعية قاطعة في تحريم كل قول أو فعل يقصد به احتقار الآخرين أو الانتقاص منهم، وجعلت احترام الإنسان وصيانة كرامته من أعظم القيم التي يقوم عليها المجتمع المسلم.

النهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب
نهى القرآن الكريم عن جميع صور السخرية، سواء كانت بالقول، أو بالفعل، أو بالإشارة، أو بالمحاكاة، فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات: ١١]، وقد جمع الله في هذه الآية بين السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب؛ لأنها جميعًا تؤدي إلى احتقار الإنسان وإهدار كرامته، وتزرع البغضاء بين أفراد المجتمع.

والسخرية تشمل الاستهزاء بالهيئة، أو الشكل، أو اللون، أو الفقر، أو المرض، أو الإعاقة، أو اللهجة، أو المستوى الاجتماعي، كما تشمل المحاكاة الساخرة والإشارات المذلة، وكل ما يوقع صاحبه في الانتقاص من أخيه، أما اللمز فهو الطعن في الناس وعيبهم تصريحًا أو تلميحًا، وأما التنابز بالألقاب فهو مناداة الإنسان بما يكرهه من الألقاب أو الأوصاف التي تحط من قدره.

وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم] فكل كلمة تحمل احتقارًا للناس أو انتقاصًا من شأنهم هي مخالفة لهدي الإسلام، وإن ألبسها صاحبها ثوب الـمِزَاح أو الدعابة.

ضوابط الـمِزَاح في الإسلام
الإسلام دين الفطرة والوسطية، فلم يمنعِ الـمِزَاح الذي يبعث السرور في النفوس، ويجدد النشاط، ويؤلف بين القلوب، بل كان النبي ﷺ يمازح أصحابه وأهله، غير أن مزاحه كان حقًّا وعدلًا، لا يشتمل على كذب، ولا يوقع أذًى، ولا يهدر كرامة أحد، ولذلك وضع الإسلام ضوابط تجعل الـمِزَاح وسيلة للمودة، لا بابًا للعداوة أو السخرية.
أن يكون قائمًا على الصدق، من أهم ضوابط الـمِزَاح ألا يشتمل على الكذب أو اختلاق الأخبار لإضحاك الناس؛ لأن الصدق خلق ملازم للمؤمن في الجد والهزل، يَقُولُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» [رواه الترمذي].

ألا يتضمن سخريةً أو احتقارًا للآخرين، يحرم أن يكون الـمِزَاح وسيلة للاستهزاء بالناس أو الانتقاص من أشكالهم أو أنسابهم أو لهجاتهم أو أوضاعهم الاجتماعية؛ لأن ذلك يجرح الكرامة الإنسانية ويزرع الضغائن.

ألا يترتب عليه إيذاء أو ترويع، لا يجوز أن يتحول الـمِزَاح إلى وسيلة لتخويف الناس أو الاعتداء عليهم أو العبث بممتلكاتهم أو إشعارهم بالإهانة، فقد قال النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رواه أبو داود]، فكل مزاح يورث خوفًا أو أذًى نفسيًّا أو بدنيًّا فهو محرم.
الاعتدال وعدم الإفراط، الـمِزَاح المباح هو ما كان بقدر، أما الإكثار منه فيورث قسوة القلب، ويذهب الوقار، ويضيع الأوقات، ويجر صاحبه إلى اللغو والاستهانة بالآخرين.

مراعاة الأحوال والأشخاص، ليس كل ما يصلح أن يقال لشخص يصلح أن يقال لغيره، ولا كل وقت يصلح فيه الـمِزَاح، فالمسلم يراعي مشاعر الناس، وأعمارهم، ومقاماتهم، والظروف التي يمرون بها، فلا يمزح عند المصائب، ولا مع من يكره الـمِزَاح، ولا بما يجرح أصحاب الحاجات أو المرضى أو كبار السن.

أن يكون وسيلة للمودة وحسن العشرة، المقصود من الـمِزَاح في الإسلام هو إدخال السرور على القلوب، وتقوية أواصر المحبة، وتلطيف الأجواء بين الناس، لا تحقيق الشهرة أو لفت الأنظار على حساب كرامة الآخرين.
وبذلك يتبين أن الـمِزَاح في الإسلام خلقٌ محمود إذا انضبط بالصدق، وخلا من الأذى، وحفِظَ الكرامة، والتزم الاعتدال، أما إذا تحول إلى استهزاء أو تنمر أو كذب أو ترويع، فقد خرج عن كونه مزاحًا مشروعًا، وأصبح اعتداءً يأثم صاحبه ويحاسب عليه أمام الله - تعالى.

وسائل الوقاية من السخرية وعلاجها
السخرية خلل في التربية والقيم، يحتاج إلى بناء الضمير، وتهذيب الأخلاق، وإشاعة ثقافة الاحترام بين الناس، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج وقائي وعلاجي متكامل، يهدف إلى تجفيف منابع السخرية قبل وقوعها، وإصلاح آثارها إذا وقعت، ومن أهم وسائل ذلك:

أولًا: تعظيم حرمة المسلم وكرامته، بحيث يستقر في قلب المسلم أن كرامة الإنسان مصونة شرعًا، وأن الاعتداء عليها من كبائر الذنوب.

ثانيًا: تهذيب اللسان ومحاسبة النفس قبل الكلام، الكلمة قد تكون سببًا في التئام القلوب أو كسرها، ولذلك دعا الإسلام إلى ضبط اللسان، والتفكير في عواقب الكلام قبل النطق به.

ثالثًا: غرس ثقافة الاحترام والتسامح في الأسرة والمدرسة، تبدأ الوقاية من السخرية منذ السنوات الأولى من عمر الإنسان؛ فالأسرة مسؤولة عن تربية الأبناء على احترام الناس، وحسن الخطاب، وتقدير اختلاف الآخرين، وعدم الاستهزاء بأشكالهم أو طبيعة حياتهم. كما يقع على المدرسة دور كبير في تعزيز هذه القيم من خلال المناهج، والأنشطة، وإبراز القدوة الحسنة، ومعالجة أي سلوك ساخر بحزم وحكمة، حتى ينشأ الأبناء على ثقافة التراحم والتعايش وقبول الآخر.

رابعًا: إبراز القدوة الحسنة من خلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل، فقد أصبحت من أكثر المؤثرات في تشكيل السلوك، ومن ثم فإن عليها مسؤولية كبيرة في محاربة ثقافة السخرية والتنمر، والامتناع عن تقديم المحتوى الذي يقوم على الاستهزاء بالناس أو التشهير بهم من أجل الترفيه أو زيادة المشاهدات.

خامسًا: التوبة ورد المظالم والاعتذار لمن أُسيء إليه، إذا وقع الإنسان في السخرية من غيره، فإن الواجب عليه أن يبادر إلى التوبة الصادقة، فيندم على ما صدر منه، ويقلع عنه، ويعزم على ألا يعود إليه، مع رد المظالم إلى أصحابها بقدر المستطاع، والاعتذار لمن أساء إليه، وطلب العفو منه.