قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

نورهان حشاد تكتب: سلسلة الشموخ لا تلويها الأيام

نورهان حشاد
نورهان حشاد

في مسار الحياة الممتدة، حيث تموج تقلبات الأقدار وتتبدل معادن البشر كالفصول، تتربع الأنثى الإستثنائية كقدر محتوم لا تزعزعه العواصف ولا تحنيه الأيام، خارجة عن فلك التبعية ومقاييس البشر، تقف قامة لا تستمد قيمتها من نظرات الرضا في أعين الآخرين، ولا تنتظر ثناء من عابر بل تنبع قوتها من أعماق عزتها وكبريائها الصامد في وجه كل المتغيرات.

هنا يتجلى بوضوح كبرياء المعدن النقي؛ نموذج فريد يمثل التجسيد الواقعي للإنسان الأصيل الذي لا تغيره العواصف، ولا تشتريه المصالح الضيقة، بل يظل محتفظاً بنبل معدنه وصلابة موقفه مهما غلت الأثمان وتكاثرت التحديات.

من صلب الصمود ولدت، نبتة نقية ضربت جذورها في أعمق طبقات الأرض الشامخة، لتتطابق مع أرفع قيم النقاء والثبات، كشجرةِ سنديانٍ عتيقةٍ، مهما تساقطت الأوراق من حولها في مواسم الخريف، بقيت جذوعها شامخة تتجدد قوتها مع كل اختبار تمر به.

تتميز هذه المرأة بأنها كائنٌ يصنع من التحدي، ويتغذى على الصعاب، ففي الوقت الذي يظن فيه الواهمون أو العابثون أنهم تمكنوا من كسر خطوط دفاعها أو النيل من كرامتها، تفاجئهم بالنهوض كالعاصفة الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر، لتقتل في نفوسهم عجزهم ونقصهم وتكشف زيف ادعاءاتهم، إنها امرأة ترفض الانحناء، ولا تلوي ذراعها تصاريف الأيام مهما قست أو جارت، فكبرياؤها يمثل سقفاً شاهقاً لا تطاله أيدي العابرين، وعزتها جدارٌ صلبٌ ومصمتٌ تتكسر أمامه أوهام الحاقدين والمشككين، أما صمودها في وجه الخطوب، فليس مجرد محاولة للاستمرار ، بل هو حقيقةٌ مطلقةٌ وسمةٌ بارزةٌ تجبر كل من ينظر إليها على خفض عينيه احتراماً وتبجيلاً لهذه الهيبة الطاغية.

تتعامل هذه الأنثى مع الحياة بمنطق الأصالة والقدسية، وتزن الأمور بميزان دقيق لا يخطئ، إنها تدرك بيقين تام لا يخالطه شك أن الخسارة الحقيقية والوحيدة في هذا الكون الرحب هي خسارة الإنسان لنفسه وقيمه، أما غياب الآخرين، أو رحيلهم، أو خذلانهم، فليس سوى تفصيل صغير وهامشي تم محوه تماماً من ذاكرة الأيام وكأنه لم يكن يوماً.

كبرياؤها ليس مجرد حدود، بل هو مارد وجودها الذي لا يقبل المساس، ومن تجرأ وتجاوز هذا الحد سقط من عالمها فوراً ودون رجعة أو ندم، مكانتها في الحياة وفي قلوب من يستحقون مكانة لا تقبل القسمة أو النقاش، ووجودها ليس فرصة ثانية يمنح للمترددين؛ فإما الصدارة المطلقة والتقدير الكامل، أو العدم والغياب الذي يبتلع الجميع.

في عمق السكون الذي يسبقُ العاصفة، وفي أحلك لحظات المواجهة وأشدها ضراوة، لا تتخلى عن أَسلحتها ؛ فتبدو ابتسامتها المرتسمة في وجوه الخصوم بمثابة سخرية لاذعة من ظنهم الخائب بأنهم استطاعوا يوماً هزيمتها أو النيل من ثباتها.

تلك هي القوة العصية على الهزيمة، والبريق المتوهج الذي لا يعرف الإنطفاء، ومن يظن واهماً أنه يستطيع إطفاء نورها ستحرقه نار كرامتها وعزتها.

مُحال كسرها، وغيابها يترك فراغاً قاتلاً لا يعوض بأي بديل ومن يراهن على كسر كبريائها فهو يراهن في الحقيقة على حتفه وخسارته المطلقة، فهي القوة التي لا تستوعب، والعزة الشامخة التي لا تنال إنها باختصار، ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب عابر يمكن تجاوزه بقلب الورقة، بل هي الكتاب بأكمله بعمقه وفصوله، ذلك الكتاب الثمين الذي إن تجرأ أحد وأغلقه بغبائه، فقد حرم نفسه من متعة القراءة وعمق المعرفة طوال حياته.

وتعيش نفساً ترى العلياء سقفاً ولا ترضى بمنقصة بديلاً...

هي الإعصار إن عثرت خطاها
ومن يبغي انكسار شموخها مات ذليلاً...

تسير كأنها القدر المرجى وتترك خلفها الخصم العليلاً..

فمن ظن الإساءة نال حتفاً
ومن أقصته، أمضى العمرويلاً.