لم تعد الحماية المهنية للطبيب البيطري تقتصر على توفير أدوات ومستلزمات العمل، في ظل تعدد المخاطر التي يواجهها الأطباء في مواقع عملهم، وامتدادها من الأمراض والإصابات المهنية إلى حوادث الطرق والمشكلات القانونية المرتبطة بعقود العمل، فضلا عن الارتفاع الكبير في تكلفة علاج الأمراض المزمنة والحالات الحرجة.
هذه التحديات كانت محور ورشة العمل التي نظمتها لجنة الأدوية والشركات بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، اليوم 8 أغسطس، تحت عنوان "طبيب بيطري آمن.. حقوق نقابية، مظلة تأمينية، وحماية مهنية"، بمقر النقابة العامة، برعاية الدكتور مجدي حسن، النقيب العام للأطباء البيطريين، وتنسيق الدكتورة هاجر صلاح الدين، مقرر اللجنة.
الورشة تحولت إلى مساحة لطرح عدد من الملفات التي تمس الحياة المهنية والاجتماعية للطبيب البيطري، بداية من التأمين الصحي والاجتماعي، مرورا بعقود العمل والحقوق القانونية، ووصولا إلى السلامة والصحة المهنية، مع مطالب بانتقال دور النقابة من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة وقائية تحمي الطبيب قبل تعرضه للضرر.
وأكدت الدكتورة هاجر صلاح الدين أن تنظيم الورشة يستهدف تعزيز وعي الأطباء البيطريين بحقوقهم المهنية، والتعريف بالخدمات والمزايا التي تقدمها النقابة، بما يسهم في توفير بيئة عمل أكثر أمانا واستقرارا.
وتناولت الورشة منظومة التأمين الصحي والاجتماعي، وآليات الاستفادة من الخدمات النقابية للأعضاء وأسرهم، إلى جانب التأمين على الحياة وتغطيات الحوادث والمظلة التأمينية المتاحة للأطباء.
كما جرى التأكيد على أهمية القيد بالنقابة واستخراج الترخيص المهني للأطباء العاملين في قطاعات لا تشترط في بعض الحالات مزاولة المهنة، ومنها الدعاية الطبية والتسويق البيطري ومعامل التحاليل والبحث العلمي والأعمال الحرة، باعتبار ذلك أحد الضمانات المرتبطة بحماية الحقوق المهنية والاستفادة من الخدمات النقابية.
من جانبه، عرض الدكتور مجدي حسن، نقيب عام الأطباء البيطريين، مستجدات مشروع العلاج الجديد الخاص بأعضاء النقابة، مؤكدا أن الهدف الأساسي هو ترسيخ «ثقافة التأمين» بين الأطباء، وعدم انتظار وقوع المرض أو الأزمة الصحية قبل التفكير في توفير الحماية.
وأوضح أن المشروع تم إعداده ليكون جاهزا للتنفيذ، ويتضمن مزايا جديدة، من بينها تغطية الأدوية المزمنة والعمليات الجراحية الكبرى والمكلفة، مثل عمليات القلب المفتوح وتغيير المفاصل وجراحات المخ والأعصاب.
وأشار إلى أن تكلفة بعض الحالات الحرجة، مثل الأورام والطوارئ الجراحية، يمكن أن تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات، وهو ما يجعل الاشتراك في مشروع العلاج وسيلة للحماية من أعباء مالية قد تفوق قدرة الطبيب وأسرته.
ولفت إلى أن أحد أبرز التحديات التي واجهت مشروعات العلاج السابقة تمثل في ضعف الإقبال، خاصة من الأطباء الشباب الذين قد لا يشعرون بالحاجة إلى التأمين في ظل تمتعهم بصحة جيدة.
وكشف النقيب العام أن العرض المقدم للأطباء الشباب يبلغ نحو 4800 جنيه سنويا، فيما يجري بحث إمكانية تقسيط الاشتراكات بالتعاون مع البنوك، خاصة للأطباء فوق سن الستين وأصحاب المعاشات، الذين قد تصل قيمة الاشتراك بالنسبة لهم إلى 16 ألف جنيه سنويا.
وأكد أن استدامة المشروع تتطلب وجود مزيج متوازن من مختلف الفئات العمرية، داعيا الأطباء الشباب تحت سن 30 عاما إلى المشاركة بنسبة لا تقل عن 25% من إجمالي المشتركين، بما يدعم الملاءة المالية للصندوق وقدرته على مواجهة احتياجات الأعضاء وقت الأزمات.
ولم تتوقف المناقشات عند الجانب الصحي، إذ كشف النقيب العام عن رصد حالات يقوم فيها بعض الأطباء العاملين في شركات القطاع الخاص بالتوقيع على عقود عمل غير متوازنة أو «إيصالات أمانة» وكمبيالات، وهو ما قد يعرضهم لمسؤولية قانونية فردية.
وفي هذا الإطار، أعلن الدكتور مجدي حسن عن مقترح لتدشين لجنة فرعية بالنقابة تحت مسمى "طبيب بيطري آمن"، وعرض الأمر على مجلس النقابة العامة، على أن تختص بدراسة واختيار أفضل البرامج التأمينية المناسبة لأعضاء النقابة.
وأكد أن دور النقابة في هذا الملف لا يقتصر على التعامل مع الشركات بعد وقوع المشكلة، وإنما يمتد إلى رفع الوعي القانوني للطبيب وتمكينه من معرفة حقوقه، وكيفية اختيار جهة العمل وصياغة بنود التعاقد، والتحذير من توقيع مستندات قد تعرضه لمخاطر قانونية.
عقود ملزمة وتأمين إجباري
وأوضح أن النقابة لا تملك وضع الشركات في “قائمة سوداء” بشكل مباشر، لكنها تستطيع استخدام التوعية كأداة وقائية لحماية الطبيب قبل دخوله في علاقة تعاقدية.
من رد الفعل إلى الوقاية
وفي واحدة من أبرز محاور الورشة، دعت الدكتورة إيمان القصبي إلى إعادة صياغة مفهوم السلامة المهنية داخل العمل البيطري، مؤكدة أن المخاطر تختلف باختلاف طبيعة القطاع الذي يعمل فيه الطبيب.
وأوضحت أن الطبيب البيطري قد يتعرض للأمراض المعدية في المزارع، والإصابات أثناء التعامل مع الحيوانات، والمخاطر البيولوجية والكيميائية في المجازر والمعامل، فضلا عن حوادث الطرق التي تهدد العاملين في مجالات الدعاية والمبيعات والتوزيع.
وطالبت القصبي بانتقال النقابة من "رد الفعل" بعد وقوع الحوادث إلى دور وقائي استباقي، من خلال إنشاء ملف نقابي مستدام للسلامة المهنية، ووضع خريطة للمخاطر في مختلف قطاعات العمل، وإصدار أدلة إرشادية، وتنظيم تدريبات حقيقية للأطباء على التعامل مع حالات الطوارئ والمخاطر الميدانية.
كما دعت إلى إنشاء آلية مؤسسية لرصد وتوثيق الحوادث والإصابات المرتبطة بالعمل، بما يسمح بتوفير بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها في وضع سياسات الحماية، إلى جانب عقد شراكات مع جهات العمل وشركات التأمين والجهات المختصة.
وأكدت أن حماية الطبيب البيطري لا تتعلق به وحده، وإنما تمتد إلى المجتمع، باعتباره أحد خطوط الدفاع في مجالات الصحة العامة وسلامة الغذاء والوقاية من الأمراض المشتركة.
وشهدت الورشة طرح عدد من المطالب المرتبطة بأوضاع الأطباء العاملين في القطاع الخاص.
وأشار الدكتور علاء أبو قورة والدكتور سمير إدريس والدكتورة أماني مصطفى إلى إشكاليات العمل دون عقود رسمية أو حقوق مضمونة، مطالبين بوضع قرارات ملزمة لأصحاب الشركات تضمن توفير بيئة عمل آمنة وتحفظ حقوق الأطباء.
وحذرت الدكتورة هويدا الحصري من المخاطر اليومية التي يتعرض لها الأطباء الشباب، خاصة حوادث الطرق، في ظل غياب مظلة تأمينية كافية تغطي حالات الوفاة أو الإصابة والعجز.
واقترحت الدكتورة إيمان الراوي إنشاء صندوق للحالات الحرجة والوفاة، يمول من مساهمات وتبرعات الأطباء البيطريين العاملين بالخارج، بهدف تقديم الدعم لمن لا يتمتعون بتغطية تأمينية.
ودعم الدكتور تامر سمير المقترح بالدعوة إلى فرض تأمين إجباري عند قيد الأعضاء الجدد بالنقابة، بما يضمن استمرارية الحماية الصحية والاجتماعية للأطباء وحتى بعد الوصول إلى سن المعاش.
الأمراض المزمنة.. فجوة في التغطية
وتطرق الدكتور محمد عبد العزيز إلى تجربته الشخصية مع مرض الفشل الكلوي، مشيرا إلى أن تغطية مشروع العلاج لاتحاد المهن الطبية الحالي لم تتجاوز، وفقا لتجربته، 25% من تكاليف العلاج المرتفعة.
وطرح ذلك كأحد النماذج التي تكشف الحاجة إلى تطوير منظومة خاصة للتعامل مع الأمراض المزمنة، باعتبارها من أكثر الملفات التي تستنزف الموارد المالية للأطباء وأسرهم على المدى الطويل.
وفي السياق ذاته، شدد الدكتور مصطفى الدالي والدكتورة سمر الدسوقي على أهمية الاستماع إلى مطالب الأطباء المحالين إلى المعاش، وتكرار مثل هذه اللقاءات باعتبارها وسيلة لتطوير الأداء النقابي والتعرف بصورة مباشرة على احتياجات الأعضاء.
أما على مستوى بيئة العمل الميدانية، فأشار الدكتور صالح سامي طه والدكتور حمادة سعد إلى أن ساعات العمل الطويلة قد تزيد من معدلات تعرض الأطباء للحوادث، خاصة العاملين في الوظائف التي تتطلب التنقل المستمر.
وانتقد المشاركون اهتمام بعض الشركات بسلامة المعدات والسيارات بصورة أكبر من الاهتمام بسلامة الطبيب نفسه، مطالبين بإعادة ترتيب أولويات السلامة داخل بيئة العمل.
واختتمت الورشة بالتأكيد على ضرورة توفير "مظلة أمان" مهنية وقانونية للأطباء البيطريين في مختلف قطاعات العمل، مع الدعوة إلى تفعيل الضبطية القضائية لضمان الحقوق المهنية والقانونية للأطباء.
وفي ختام اللقاء، قدمت شركات تأمين عروضا تأمينية خاصة لأعضاء نقابة الأطباء البيطريين، تضمنت مزايا متعددة، من بينها التأمين على الحياة، ومكافأة نهاية المدة، وبرامج لتعليم الأبناء.
وبينما كشفت المناقشات عن تعدد المخاطر التي تواجه الطبيب البيطري، فإن القاسم المشترك بين مختلف المطالب التي طرحت خلال الورشة كان واضحا: الحاجة إلى الانتقال من التعامل مع الخطر بعد وقوعه إلى بناء مظلة حماية متكاملة تبدأ بالتوعية، وتمتد إلى التأمين والعقود والوقاية والسلامة المهنية.



