أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، خلال كلمته التي ألقاها اليوم في ذكرى المولد النبةي بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن لنا فيما تعانيه البشرية اليوم من مسلسل الحروب والدماء والأشلاء، وهدم البيوت والمستشفيات على الأطفال والنساء والمرضى، وخلف الوعود ونقض العهود، لعبرة ومندوحة وسعة.
وأشار شيخ الأزهر، إلى صعوبة المقارنة بين بشاعة حروب القرن الواحد والعشرين، وعدالة الحروب التي كان يقودها صاحب هذه الذكرى العطرة، وقادها من بعده خلفاؤه وأنصاره، فهذه المقارنة -فوق أنها تستعصي على التلخيص والإيجاز- هي من باب النقيضين اللذين لا يجتمعان في أمر مشترك بينهما بحال من الأحوال.
ولفت الإمام الطيب ، إلى أن أول ما يحرص العلماء على بيانه في الحديث عن أخلاقيات الحرب في الإسلام هو أن الباعث على القتال في الإسلام ليس هو حمل الناس على اعتناق هذا الدين، ولا حملهم على أن يتبعوا مذهبا اجتماعيا أو اقتصاديا معينا، وإنما الباعث على القتال هو: دفع العدوان ورده قال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190] وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: 194] وقوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: 256]، مشيرا إلى أنه حدث أن شخصا أراد أن يكره ابنه على اعتناق الإسلام، فنهاه النبي ﷺ ومنعه من ذلك، وجاءت امرأة غير مسلمة إلى الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تسأله حاجة لها، فدعاها إلى الإسلام فأبت، فانتبه سريعا إلى الآية التي تحرم الإكراه على الدين، وخشي أن يكون من الخارجين عليها؛ فاتجه إلى الله تعالى معتذرا وهو يقول: «اللهم إني أرشدت ولم أكره».
الحرب في الإسلام ضرورة تُتجنب قدر الإمكان
وتابع فضيلة الإمام الأكبر أنه إذا كان الباعث على القتال محصورا في دفع الاعتداء؛ فإن الحرب تصبح في شريعة الإسلام وشرائع الأديان، بل وشرائع الضمير الإنساني -من باب الضرورات التي يجب تجنبها قدر الإمكان-، وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية»، فإذا عزم المسلمون على الحرب فالواجب عليهم شرعا ألا يبدؤوا قتال الأعداء قبل أن يخيروهم بين ثلاث: إما الإسلام، وإما معاهدة سلام، وإما القتال الذي يصبح اختيارا اضطراريا لا مهرب منه، وهذا ما قاله النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، وكان قائدا في إحدى المعارك، في وصية لا يعرف التاريخ لها نظيرا في باب الإنصاف والعدل، ومراعاة حقوق الآخر حتى لو كان من الأعداء المقاتلين.
وأضاف فضيلته أن النبي محمد ﷺ قال لمعاذ: «لا تقاتلوهم حتى تدعوهم؛ فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإن بدأوكم فلا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، ثم أروهم ذلك القتيل وقولوا لهم: هل إلى خير من هذا سبيل؟ فلأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت»، وقد ذهب المالكية والأحناف إلى: «وجوب الانتظار ثلاثة أيام بعد دعوتهم للإسلام، وألا تبدأ المواجهة قبل اليوم الرابع»، رجاء أن يقبلوا الإسلام أو يجنحوا إلى معاهدة السلم أو الصلح، وأصل ذلك كله حديث ابن عباس رضي الله عنه: «ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط إلا دعاهم إلى الإسلام»، لافتا إلى أن مما يقف له المتأمل في فقه هذه الشريعة إجلالا وإكبارا ما تقرره في أحكامها من حرمة الإقدام على قتال من لم تبلغهم دعوة الإسلام، وعلى نحو يبين لهم محاسن هذا الدين وما يضمنه للناس من حقوق العدالة والمساواة والحياة الطيبة: عقيدة وشريعة وأخلاقا، وبعبارة أخرى: حرمة المباغتة والأخذ على غرة قبل أن ينذروا ويدعوا إلى الإسلام دعوة كافية في التعريف به، أو يدعوا إلى معاهدة سلام.
وبين شيخ الأزهر أنه إذا بدأ القتال، فها هنا نصوص قاطعة تطالب قادة جيوش المسلمين باحترام حقوق الضعفاء ممن لا يتصور منهم العدوان وحمل السلاح، فيحرم التعرض للنساء بالأذى أو بالقتل، وكذلك الأطفال يحرم قتلهم، كائنة ما كانت قسوة هذا العدو في قتال المسلمين، كما يحرم قتل الشيوخ من المسنين، وقتل الرهبان واللائذين بالكنائس والمعابد ودور العبادة، وقتل الجرحى والمرضى والزمنى، وهم من طال عليهم المرض، كما يحرم قتل المجانين والمكفوفين والزراع، وكذلك يحرم قتل الدواب والحيوانات، اللهم إلا إذا ذبحت بنية الأكل، فيباح للمنفعة، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، ويذهب ابن حزم إلى أبعد من ذلك في قوله: «لا يحل عقر شيء من حيواناتهم البتة، لا الإبل ولا البقر ولا الغنم ولا الخيل ولا الخنازير».
وتابع فضيلته أن الإمام الشافعي قد ذهب من قبل إلى أبعد -مما ذهب إليه ابن حزم- في تأكيد شريعة الإسلام على صيانة الدماء وحرمة سفكها، وهو يقرر أنه: لو هجم جيش المسلمين على العدو وباغتهم قبل دعوتهم للإسلام وأوقع فيهم قتلى، فإن الحكم الشرعي هنا هو: وجوب دية هؤلاء القتلى على من قتلهم من جيش المسلمين، وكذلك يحرم التمثيل بجثث العدو، أخذا من نهيه ﷺ عن ذلك وتحذيره من هذه الجريمة النكراء، وذلك في قوله: «إياكم والمثلة»، هذا؛ ويقرر العلماء ثبوت حرمة التمثيل بجثث العدو، حتى لو أقدم العدو على التمثيل بجثث شهداء المسلمين، مؤكدا فضيلته أن كل ما أشرنا إليه في كلمتنا ليس هو كل ما هنالك من فقه الحرب في شريعة الإسلام، فهناك الكثير من الأحكام التي تضبط مسيرة الجهاد في سبيل الله قبل القتال «وأثناءه» وبعد انتهائه، وبخاصة: فقه المعاهدات، وفقه الأمان، وعقد الصلح، وأحكام الأسرى، وغير ذلك مما حفلت به تشريعات الإسلام، واستندت فيه إلى إعمال قيم الرحمة والعدل والإحسان، وتطبيقاتها في كل كبيرة وصغيرة وشاردة وواردة من هذه الأحكام.
واختتم شيخ الأزهر كلمته بأن المقابلة بين حروب الأمس وحروب اليوم ليست مقارنة بين حروب الإسلام وحروب حضارة القرن الواحد والعشرين، بقدر ما هي تعبير عن حاجة العالم اليوم إلى منقذ، وإن شئت فقل: إلى طوق نجاة ينجيه من المزيد من الغرق في مجرة الظلمات، وأن هذا الطوق هو استذكار سيرة نبي الإنسانية في يوم مولده ﷺ، والاستضاءة بما أرسله الله به من القيم الإنسانية التي نصح بها أمته، ومن ورائها سائر الأمم، وأودعها جوامع كلمه وحكمه في قوله صلوات الله وسلامه عليه: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك».