قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالازهر الشريف، إن صحابةُ سيدنا رسول الله ﷺ أحبَّه بطريقةٍ مختلفةٍ لم يَعِها كثيرٌ من المعاصرين، وهذا الحب له علاقة بقوة الانتماء، وله علاقة بدرجة الإيمان، وله علاقة بالسلوك العام، وبالجمال الداخلي، وبالذوق الشخصي.
ماذا صنع حب سيدنا النبي في قلوب الصحابة وحياتهم ؟
وأضاف جمعة، في منشور له، أنه كان حبهم له ﷺ يؤدي بهم إلى الاحترام، وإلى الطاعة، وإلى الرحمة التي نُزعت من قلوب كثير من الناس الآن. وكان حبهم له ﷺ لا يقتصر على الاقتناع العقلي، ولا على الالتزام الشعائري؛ بل كانوا يحبونه أكثر من أنفسهم، وأبنائهم، وآبائهم، وعشيرتهم. ومن خلاله أحبوا الله سبحانه وتعالى، فنَقَتْ فطرتهم، وخلصت ضمائرهم.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].
وأشار الى أنه لما قدم سيدنا رسول الله ﷺ المدينة، خصصت أم سليم بنت ملحان ابنها أنس بن مالك رضي الله عنه ليكون خادمًا ومرافقًا للنبي ﷺ، فكان ذلك عزَّ أنسٍ وشرفَه إلى أن مات.
وفي يوم أُحد، نزلت أم سليم رضي الله عنها أرض المعركة بعد انكشاف المسلمين، وأخذت ترد المشركين عن رسول الله ﷺ هي وزوجها أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وكان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، أثناء رحلة الهجرة، يتقدم رسول الله ﷺ، ثم يأتي عن يمينه، ثم يأتي عن شماله، ثم يأتي من خلفه؛ خوفًا عليه أن يأتيه مكروه. وهذا حب عجيب يشبه حب الأم لابنها، بل كان حب أبي بكر رضي الله عنه لسيدنا رسول الله ﷺ أعظم من حب الأم لابنها.
وتعجب عروة بن مسعود من علاقة الصحابة بسيدنا رسول الله ﷺ في صلح الحديبية، فلما رجع إلى قريش قال:«أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا؛ وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ».[رواه البخاري في صحيحه].
قد يأنف بعض المعاصرين عندما يسمعون مثل هذا، ونحن لا نجادلهم في أنفتهم هذه؛ إنما عليهم أن يعلموا مدى حب هؤلاء الناس لسيد الخلق ﷺ، وألا ينكروا عليهم ذلك.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لم يأذن للإنسان بعدُ أن يعرف سيدنا رسول الله ﷺ تلك المعرفة، فما عليه إلا أن يسكت حتى يصل إلى قريبٍ من ذلك الحب، لا أن ينكر على الصحابة، أو علينا، روايةَ هذه المفاتيح التي عندما افتقدناها ظهر شيطان الشر والإرهاب والتطرف والدم.
إنها منظومة واحدة؛ إما الحب، وإما احتمال التعرض الجارف للكراهية.

