قبل نحو ستة أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، تبدو تكاليف الإسكان التي لطالما اعتبرها كثير من الأمريكيين مرتفعة، أكثر صعوبة في متناول الأسر؛ بحسب ما نشرته وكالة (بلومبرج) الأمريكية في تقرير لها اليوم الاثنين.
وجاءت أحدث الضغوط على المستهلكين يوم الخميس الماضي، عندما أعلنت شركة فريدي ماك العقارية ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري لمدة 30 عامًا إلى 6.95%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025، عندما عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وجاءت هذه البيانات بعد رفع مجلس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة للمرة الأولى في ثلاث سنوات، ما بدد الآمال في انخفاض تكاليف الاقتراض قريبًا.
ولا تبدو آفاق سوق الإسكان أفضل حالًا، إذ يقترب عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي تتحرك أسعار الرهن العقاري في ارتباط وثيق معه، من أعلى مستوياته منذ عام 2007.
كما تراجع تفاؤل شركات بناء المنازل إلى أدنى مستوياته منذ أواخر 2022، في ظل مزيج من انخفاض طلبات الرهن العقاري، وارتفاع تكاليف مواد البناء، وتشديد إجراءات الهجرة التي أدت إلى ابتعاد العمال عن القطاع.
وقال دوجلاس هولتز-إكين، رئيس منتدى العمل الأمريكي إن قطاع الإسكان «لا يقدم أخبارًا جيدة من أي زاوية»، مشيرًا إلى أن السوق شهد فترة من انخفاض المعروض في سوقي الإسكان المملوك والمستأجر، قبل أن يواجه الآن مشكلة ارتفاع الأسعار وتكاليف التمويل.
وعلى مستوى الولايات المتحدة، تحتاج 49% من المناطق الحضرية التي تتابعها الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين إلى دخل أسري يبلغ 100 ألف دولار سنويًا للتأهل للحصول على رهن عقاري لشراء منزل متوسط السعر، بافتراض دفع مقدم بنسبة 10%.
وارتفعت هذه النسبة من 6% فقط من المناطق الحضرية الأمريكية في عام 2019، وتشمل مدنًا في ولايات تشهد منافسة انتخابية مثل كولومبوس في أوهايو، ودالاس-فورت وورث-أرلينجتون في تكساس، ولانكستر في بنسلفانيا.
وبلغ متوسط دخل الأسرة الحقيقي في الولايات المتحدة 87,460 دولارًا في عام 2025.
وبالنسبة إلى ترامب، الذي تعهد في أول يوم له بعد عودته إلى منصبه بخفض تكاليف الإسكان، فإن عدم القدرة على تقديم حلول ملموسة يرفع فرص سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضًا، في انتخابات نوفمبر.
ولا تزال عبارة «جعل الإسكان ميسور التكلفة مجددًا» مدرجة باعتبارها الإنجاز الأبرز لوزارة الإسكان والتنمية الحضرية في إدارة ترامب، لكن هذا لا يتوافق مع شعور كثير من العاملين في سوق الإسكان أو أصحاب الأعمال.
وقال أندرو فولك، مالك حانة «هانت آند ألباين» في بورتلاند بولاية مين، وهي من الولايات الرئيسية في الانتخابات، إن العثور على مسكن مناسب يمثل تحديًا كبيرًا عندما يبحث أحد موظفيه عن منزل. وعندما سُئل عما إذا كان ذلك يجعل من الصعب على أصحاب الأعمال الاحتفاظ بموظفيهم، أجاب: «بألف بالمئة».
كما تدهورت نظرة المستهلكين الأمريكيين إلى الاقتصاد بشكل أكبر، ما يزيد الضغوط على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر.
وأظهرت بيانات أولية من استطلاع جامعة ميشيجان، الذي يحظى بمتابعة واسعة، تراجع معنويات المستهلكين مجددًا في سبتمبر، لتقترب من مستوى قياسي منخفض. ولم يرَ سوى 35% من الجمهوريين أن الإدارة تؤدي أداءً جيدًا في التعامل مع الاقتصاد، وهي أدنى نسبة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
وقال هولتز-إكين، الذي ترأس مكتب الميزانية في الكونجرس سابقًا، إن على الجمهوريين الانتباه إلى هذه المؤشرات، مشيرًا إلى أن معدل البطالة يبلغ 4.1%، لكن الناس يذهبون إلى العمل دون أن يحققوا تحسنًا في أوضاعهم الاقتصادية، وهو ما «لا يمنح شعورًا جيدًا».
ومنذ توليه المنصب، تراوح خطاب ترامب بين نسب الفضل إلى إدارته في خفض أسعار المستهلكين، والتقليل من أهمية أزمة القدرة على تحمل التكاليف، واصفًا إياها بأنها «خدعة» اختلقها الديمقراطيون. وأصبحت القضية من الملفات التي يصعب على مرشحي الحزبين تجنبها خلال حملاتهم الانتخابية.
وقال بيرني بورن، وهو خبير استطلاعات رأي مخضرم في ميشيجان، إن الديمقراطيين يتحدثون عن القدرة على تحمل التكاليف، والجمهوريين بدأوا أيضًا في تناول القضية، رغم وصف ترامب لها بأنها خدعة.
وفي ولاية مين، حيث يأمل الديمقراطيون في انتزاع مقعد جمهوري في مجلس الشيوخ، قال مارك بروير، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة مين، إن القضايا الرئيسية في الانتخابات تبدأ بـ«القدرة على تحمل التكاليف، ثم بفارق كبير تأتي القضايا الأخرى، ثم ترامب»، مضيفًا أن مراكز البيانات تتقدم بسرعة في قائمة القضايا، بينما تأتي بقية الملفات لاحقًا.
وفي واشنطن، لا يزال بعض الجمهوريين ينتقدون ترامب بسبب ما يرونه إهدارًا لمكسب سياسي كان يمكن تحقيقه من خلال تعامله مع مشروع قانون واسع للإسكان خلال الصيف. فبعد إقرار المشروع في الكونجرس في اتفاق نادر بين الحزبين، ألغى ترامب في اللحظة الأخيرة مراسم التوقيع عليه في مبنى الكابيتول، مطالبًا أولًا بإقرار مشروع قانون بشأن إثبات هوية الناخبين.
ودخل تشريع الإسكان حيز التنفيذ رغم ذلك من دون توقيع الرئيس، لكن الجمهوريين فقدوا فرصة الاحتفال علنًا بالإنجاز إلى جانب ترامب.
كما تعثرت محاولة أخرى من الإدارة لخفض تكاليف الإسكان، عندما أعلنت شركتا الرهن العقاري العملاقتان «فاني ماي» و«فريدي ماك»، بتوجيه من ترامب، خطة لشراء أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري بقيمة 200 مليار دولار بهدف خفض أسعار الفائدة.
لكن أسعار الفائدة ارتفعت بعد أن بدأت الإدارة حربًا مع إيران، ما أدى إلى تفاقم المخاوف بشأن التضخم. وأدت الحرب، التي قال ترامب مرارًا إنها ستنتهي خلال أسابيع، إلى ارتفاع حاد في تكاليف الوقود، ما ظل يضغط على المستهلكين لأشهر.
وطرحت الإدارة مقترحات أخرى لتحسين القدرة على تحمل تكاليف الإسكان، ففي الشهر الماضي، طرح مسؤولون في البيت الأبيض فكرة زيادة الإعفاء من ضريبة أرباح رأس المال عند شراء المنازل الرئيسية.
إلا أن المقترح، الذي يتطلب موافقة الكونجرس، سيعود بالنفع بصورة أكبر على الأثرياء، ولم يحقق تقدمًا منذ ذلك الحين. كما طرح ترامب هذا الشهر خطة لمنح الأمريكيين شيكات توزيعات بقيمة 5 آلاف دولار، لكن بشرط احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي الكونجرس في انتخابات نوفمبر.
وفي مسعى لمعالجة ارتفاع تكاليف الإسكان، قد يكون ترامب وضع نفسه أمام معضلة سياسية. فإذا انخفضت أسعار المنازل، سيستفيد المشترون المحتملون، لكن مالكي المنازل الحاليين سيواجهون انخفاضًا في قيمة عقاراتهم، وهي نتيجة قال ترامب إنه يريد تجنبها.
وقال تشن تشاو، رئيس أبحاث الاقتصاد في شركة «ريدفين»، إن انخفاض الأسعار بشكل حاد، كما حدث خلال الأزمة المالية، قد يكون نتيجة أفضل لبعض الأشخاص، لكنه سيكون «سيئًا للغاية» بالنسبة إلى 56% من الأمريكيين الذين يمتلكون منازل بالفعل، موضحًا أن هناك فئات مختلفة من الناخبين يجب أخذ مصالحها في الاعتبار.
وبما أن الإسكان يمثل أكبر نفقات معظم الأمريكيين الشهرية، فإنه يؤثر بدرجة كبيرة في تقييمهم لحالة الاقتصاد. وأظهر استطلاع أجرته شبكة «سي إن بي سي» في يوليو أن القدرة على تحمل تكاليف الإسكان جاءت في المرتبة الأولى بين القضايا التي تهم الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، وفي المرتبة الثانية بين الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و49 عامًا.