لم تعد تحركات الحوثيين في اليمن قابلة للقراءة باعتبارها مجرد امتداد للصراع الداخلي اليمني، خصوصًا مع انتقال ثقل عملياتهم بصورة متزايدة نحو البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، والموانئ والمنشآت النفطية السعودية. فالمشهد الحالي يطرح سؤالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: هل تستخدم إيران الحوثيين كذراع ضغط لضرب اقتصاديات النفط الخليجية وتحقيق معاناه الطلب العالمي واضعاف اقتصاد السعودية، وإرباك سوق الطاقة العالمي دون أن تتحمل طهران وحدها تكلفة المواجهة المباشرة مع امريكا وحزمة العقوبات الاقتصادية عليها.
ولكن ما يثير الانتباه والاستغراب هو التحرك الحوثي باتجاه نقاط جغرافية شديدة الحساسية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. فالتقدم نحو الساحل الغربي والسيطرة على مواقع قريبة من باب المندب، وصولًا إلى جزيرة ميون الاستراتيجية، لا يمثل مجرد مكسب عسكري محلي؛ بل يضع قوة مرتبطة بإيران على أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم وتحقق التفرد الإيراني بقبضته علي هرمز ثم باب المندب ويخنق حركة النفط والتجارة عالميا .
وتشير التطورات الأخيرة إلى وصول الحوثيين إلى جزيرة بريم ومواقع ساحلية استراتيجية، بينما يمثل باب المندب ممرًا لنحو ١٣ % من إنتاج النفط العالمي وفق التقديرات الأخير لوكالة الطاقة الدولية وحوالي ٢١ ٪ من حركة التجارة العالمية.
وهنا يصبح الأمر أكثر خطورة حيث ان إيران تضغط من ناحية مضيق هرمز، بينما يستطيع حليفها الحوثي التابع لها الضغط من الناحية الأخرى عند باب المندب. أي أن صادرات الخليج قد تجد نفسها بين فكي كماشة جغرافيين والحرج الأكبر لحركة التجارة العالمية عبر المضيق وقطع إمدادات النفط للاتحاد الأوروبي عبر قناة السويس.
ويتضح النمط المتكرر للهجمات الحوثية والتي تكشف أن استهداف منشآت الطاقة السعودية لم يعد عرضيًا, فقد طالت الهجمات منشآت أرامكو في جازان وينبع، كما استُخدمت الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مواقع مرتبطة بإنتاج النفط وتخزينه ونقله. وفي يوليو الماضي أعلن الحوثيون صراحة استهداف مواقع حساسة لنقل الخام تربط شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر.
وتكمن الخطورة الكبرى في خط أنابيب شرق–غرب السعودي الممتد لنحو 1200 كيلومتر. فهذا الخط ليس مجرد أنبوب لنقل النفط؛ بل هو أحد أهم البدائل الاستراتيجية لمضيق هرمز، إذ ينقل الخام من مناطق الإنتاج الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، وتصل طاقته التصميمية إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا ووصل فعليا الي ضخم مايزيد عن ٨ونص مليون برميل يومي الي الأسواق العالمية.
وبالتالي، عندما يتعرض هذا الخط أو محطات الضخ المرتبطة به للهجوم، فإن المستهدف ليس منشأة سعودية فقط، وإنما فكرة تجاوز هرمز نفسها.
وقد ظهرت خطورة ذلك بوضوح في التطورات الأخيرة، حيث أدى تعطّل الخط إلى تهديد تدفقات تعادل نحو 4% من الإمدادات العالمية، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في هرمز ثم إضطراب باب المندب
، واستخدم الحوثيون خلال مراحل الصراع صواريخ باليستية بعيدة المدى وطائرات مسيّرة ضد الرياض ومدن ومواقع سعودية متعددة. لكن التحول الأخطر هو انتقال مركز الثقل تدريجيًا من مجرد إحداث أضرار عسكرية أو نفسية إلى ضرب البنية الاقتصادية للطاقة.
فالمصفاة، وخزان النفط، ومحطة الضخ، وخط الأنابيب، وميناء التصدير، والناقلة ليست أهدافًا منفصلة؛ بل حلقات في سلسلة واحدة إذا تعطلت عدة حلقات في الوقت نفسه، فإن المشكلة لن تصبح انخفاض قدرة السعودية على الإنتاج فقط، وإنما انخفاض كمية النفط التي تستطيع إيصالها فعليًا إلى السوق العالمية وهذا الفارق بالغ الأهمية.
هنا تظهر المصلحة الإيرانية بصورة أوضح. فإذا أصبح هرمز شديد الخطورة، ثم تعرض خط شرق–غرب وميناء ينبع للضغط، وفي الوقت نفسه أصبحت الملاحة عبر باب المندب مهددة، فإن قدرة السعودية على تعويض نقص الإمدادات العالمية تتراجع بصورة حادة.
وبالفعل، قدرت وكالة الطاقة الدولية أن الإمدادات السعودية هبطت في أغسطس الي ٦,٥ مليون برميل يومي ، ثم استهداف الحوثيين الاخير لضرب مضخات خط الشمال-غرب والذي قررت السعودية ايقافه لحين ايجاد طريقه تامين عسكرية لمنع ضربه بالمسيرات او الصواريخ، ولذا يعتبر هذا السيناريو ما يمكن وصفه هو تنفيذ ايران لمخطط تعطيل إمدادات السعودية لتعطيش السوق النفطي العالمي.
فالدول المستهلكة، عندما تخشى نقص الإمدادات، تبدأ في زيادة الشراء والتخزين، بينما تحاول الحكومات والمصافي تعويض مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية. وهنا لا يرتفع السعر بسبب نقص البراميل وحده، بل بسبب الخوف من البراميل التي قد تختفي غدًا.
ومع تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار، بدأت الأسواق بالفعل تسعّر مخاطر استمرار تعطّل البنية السعودية والممرات البحرية وتأثيره الحالي علي حالة الأسواق والبدايل التي قد يلجأ اليها العالم لتخفيف وطأة النقص في المعروض وتحجيم رفع السعر الذي قد يطيح باقتصاديات دول أوروبا والهند واليابان وكوريا الجنوبية .
ولكن تبدو الميزة الاستراتيجية لإيران في استخدام الحوثيين تكمن في أن طهران تستطيع ممارسة ضغط هائل على خصومها الخليجيين وعلى الاقتصاد العالمي من خلال حليف مسلح خارج حدودها، مع الاحتفاظ بمساحة سياسية لإنكار السيطرة المباشرة على قراراته ، ومن هنا يصبح الحوثيون أكثر من قوة يمنية مسلحة؛ فهم يمثلون في الحسابات الإقليمية أداة ضغط جيوسياسية على الطاقة والممرات البحرية.
لكن ينبغي التمييز بين حقيقة الدعم والارتباط الإيراني، وبين إثبات أن كل عملية عسكرية تصدر بأمر مباشر من طهران؛ فإيران تنفي أنها تتحكم في جميع قرارات الحوثيين، بينما تصفهم مصادر دولية باستمرار بأنهم قوة متحالفة ومدعومة من إيران حيث ان الدعم العسكري والمالي والتدريبي والتوجيهي من قيادات الحرس الثوري الإيراني التي تعيش وسط الحوثيين لهم القدرة علي تنفيذ ما تريده ايران بالتحديد .
إذا كان هذا هو الاتجاه الاستراتيجي، فإن الرسالة الإيرانية لا تتوقف عند الرياض. مضمونها للعالم هو أن أمن إمدادات النفط الخليجي لا يمكن فصله عن أمن إيران ومصالحها ، فإذا أُغلق هرمز، وضُرب البديل السعودي عبر خط شرق–غرب، وتعرض ينبع وجازان للخطر، وأصبح باب المندب تحت ضغط الحوثيين، تتحول أزمة الخليج من مواجهة إقليمية إلى أزمة طاقة عالمية وهنا تكمن أخطر أوراق طهران: ليس بالضرورة منع كل برميل من الخروج، وإنما جعل خروج البرميل أكثر صعوبة وخطورة وتكلفة، وإجبار العالم على دفع ثمن اقتصادي متصاعد.
إن معركة إيران الحقيقية قد لا تكون فقط في ميادين القتال، وإنما في التحكم في جغرافيا الطاقة حيث هرمز شرقًا، وباب المندب غربًا، وبينهما خطوط الأنابيب والموانئ والناقلات التي تحمل شريان الاقتصاد العالم ومضمونها هو ان ايران تريد ان تنقل ما تعانيه من الضغط الاقتصادي وحاله التذمر الشعبي والفقر المدقع التي يجلبها الحصار الأمريكي لبحر العرب وضرب ناقلاتها النفطية وتطبيق طحونه العقوبات الاقتصادية عليها الي العالم والي الدول العربية في الخليج كي تتخذ خطوات من شأنها التفاوض او الضغط علي امريكا كي تحيدها من الحصار والرضوخ الي منطق قبول الشروط الإيرانية وانهاء الحصار ….والي تكمله قادمة