شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة بدمنهور، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، لقاءً فكريًا مع الشاعر صلاح اللقاني، أداره الكاتب كامل رحومة، بمشاركة الدكتور محمد أبو علي، في حوار تناول محطات من مسيرته الشعرية والفكرية، وعلاقته بالمكان والنهر ودمنهور، إلى جانب رؤيته للقصيدة والحداثة والالتزام بالشأن العام.
ولم يكن اللقاء مجرد حوار حول تجربة شاعر، وإنما بدا أقرب إلى رحلة في سيرة رجل اختار أن يجعل من النهر رمزًا ممتدًا في تجربته، وأن يظل وفيًا للمكان الذي نشأ فيه، بعيدًا عن مركزية العاصمة، ليصنع لنفسه حضورًا مميزًا في المشهد الشعري والثقافي المصري.
ولد صلاح اللقاني في مدينة دمنهور عام 1945، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام 1972، وعمل بوزارة الري والموارد المائية طوال حياته العملية، غير أن علاقته بالهندسة لم تكن منفصلة عن تجربته الشعرية، بل امتزجت بها في لحظة مبكرة.
واستعاد اللقاء قصة اختيار عنوان ديوانه الأول «النهر القديم»، الذي صدر عام 1977، موضحًا أن الفكرة بدأت أثناء إحدى المحاضرات الجامعية، عندما كان أستاذه يتحدث عن أنواع الأنهار، فكتب على كراسته عبارة «النهر القديم»، دون أن يدرك في ذلك الوقت أن هذه العبارة ستصبح عنوانًا لأول دواوينه، ورمزًا ممتدًا في تجربته الشعرية.
وتوزعت تجربة اللقاني الشعرية على مراحل متعددة؛ بدأت بمرحلة رومانسية غنائية تجلت في «النهر القديم»، ثم ديوان «ضل من غوى وسُرّ من رأى» الصادر عام 1990، قبل أن ينتقل إلى مرحلة حداثية أكثر غموضًا في ديوان «تاسوعات» عام 1996، مستلهمًا الأساطير المصرية القديمة، ومتجهًا إلى قصيدة النثر.
أما المرحلة الثالثة فتمثلت في ديوان «مرج البحرين» الصادر عام 2013، والذي حصل على جائزة أفضل ديوان في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2014، وعاد خلاله إلى الرومانسية، ولكن بروح أكثر قتامة ونضجًا، تعكس تراكم التجربة الإنسانية والشعرية.
وصدر ديوان أعماله الشعرية الكاملة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2013 في جزأين، كما حصل على جائزة التميز في شعر الفصحى من اتحاد كتاب مصر، ومن أعماله الأخرى «أغنية لسيناء»، و«ترتيب اللحظات السعيدة»، و«رنين الرمل».
وتوقف الحوار عند اختيار صلاح اللقاني الاستمرار في دمنهور وعدم الانتقال إلى القاهرة، رغم ما تمثله العاصمة من مركزية ثقافية وأدبية، حيث ناقش المحاوران طبيعة العلاقة بين المكان والإبداع، وما إذا كان البقاء في المدينة يمثل انكفاءً بعيدًا عن المركز، أم تمردًا عليه واختيارًا واعيًا لصناعة تجربة ثقافية من خارج دوائر المركز التقليدية.
كما ناقش اللقاء أثر تكوينه الهندسي في تجربته الشعرية، وما إذا كان الشاعر في داخله يتعامل مع القصيدة مثلما يتعامل المهندس مع المخطط، أم أن القصيدة تتشكل بصورة أقرب إلى النهر، الذي يرسم مجراه عبر الزمن ويصنع ضفتيه بنفسه.
وتناول الحوار ديوان «تاسوعات»، وما تضمنه من استلهام للأساطير المصرية القديمة، حيث طُرحت تساؤلات حول أسباب اختيار الأسطورة الفرعونية تحديدًا، وعلاقة الغموض الفني بالقصيدة الحديثة، وما إذا كان الغموض في بعض التراكيب والصور الشعرية ضرورة جمالية وفنية، أم أنه قد يتحول إلى حاجز يفصل النص عن القارئ.
كما ناقش اللقاء علاقة اللقاني بالالتزام، خاصة أنه ينتمي إلى جيل ارتبط بالأسئلة السياسية والاجتماعية والفكرية، وما إذا كان من الممكن أن تحمل القصيدة همًا عامًا دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو رسالة سياسية، فضلًا عن الحدود الفاصلة بين الالتزام الذي يثري التجربة الشعرية، والرسالة المباشرة التي قد تفرض نفسها على النص.
ومن أبرز محاور اللقاء العلاقة بين الوجع ومحبة الحياة في شعر اللقاني، إذ وُصفت تجربته بأنها تضبط «شعرية الوجع» على إيقاع محبة الحياة، وهو ما فتح بابًا للحديث عن التحولات التي طرأت على رؤيته مع تقدم العمر وتراكم التجربة.
كما ناقش المشاركون فكرة الرضا والاستسلام التي ظهرت في مرحلته الشعرية الأخيرة، ومدى إمكانية أن يكتب الشاعر حالة من الرضا دون أن يفقد الشعر جوهره القائم على القلق والبحث والرفض.
وتطرق الحوار كذلك إلى علاقته بالعمل السياسي، باعتباره أحد رموز اليسار المصري، واستقالته من حزب التجمع عقب استشهاد شيماء الصباغ، وما إذا كان الالتزام السياسي يمكن أن يغذي التجربة الشعرية، أو أن الشاعر يستطيع أن يفصل بين موقفه السياسي وكتابته الإبداعية.
وفي ختام اللقاء، بدا صلاح اللقاني كأنه يقف على ضفة النهر الذي اختاره رمزًا لتجربته منذ أكثر من أربعة عقود؛ نهر لم يتوقف عن الجريان، ولم تفقد مياهه قدرتها على حمل الأسئلة والذكريات والبحث عن معنى الحياة.
وعندما سئل عن قصيدته المفضلة، أجاب بأن «كل قصيدة كتبتها هي القصيدة المفضلة بالنسبة لي»، موضحًا أنه يطارد في الكتابة شيئًا لا يستطيع أن يحويه بالكامل.