من الشفاء إلى كمال عدوان وناصر والإندونيسي..ثلاث سنوات من الهجمات والحصار ونقص الوقود والأدوية أنهكت النظام الصحي وأفقدت آلاف المرضى حقهم في العلاج.
في قطاع غزة، لم تعد المستشفيات مجرد أماكن لتلقي العلاج، بل تحولت خلال الحرب إلى ملاذ أخير للمرضى والجرحى والنازحين الذين فروا من القصف بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. ومع استمرار العمليات العسكرية، تعرضت منشآت صحية رئيسية للحصار والقصف والاقتحامات، بينما واجه الأطباء والممرضون والمسعفون نقصًا حادًا في الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، في واحدة من أقسى الأزمات الصحية والإنسانية التي شهدها القطاع.
_1829_094759.jpg)
وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية حجم الانهيار الذي أصاب المنظومة الصحية في غزة؛ ففي يناير 2026، قالت المنظمة إن جميع مستشفيات القطاع البالغ عددها 36 مستشفى تعرضت لأضرار، وإن نحو نصفها فقط كان يعمل بصورة جزئية، بينما لم يكن هناك أي مستشفى عامل في شمال غزة. كما تجاوز عدد الهجمات التي وثقتها المنظمة على الرعاية الصحية منذ أكتوبر 2023 حاجز 930 هجومًا.
مجمع الشفاء.. رمز انهيار المنظومة الصحية
كان مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة أكبر وأهم منشأة طبية في القطاع، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز رموز الدمار الذي أصاب النظام الصحي خلال الحرب.
تعرض المجمع للحصار والعمليات العسكرية أكثر من مرة، وكان أبرزها في نوفمبر 2023 ومارس 2024. وبعد العملية العسكرية الأخيرة، وصفت منظمة الصحة العالمية المستشفى بأنه أصبح «هيكلًا فارغًا»، بعدما لحقت أضرار واسعة بمعظم مبانيه، ودُمرت أو أحرقت نسبة كبيرة من معداته.

وقالت المنظمة، عقب وصول بعثة إليها في أبريل 2024، إن أقسام الطوارئ والجراحة والولادة تعرضت لأضرار جسيمة، كما دُمر عدد من أجهزة ومعدات الرعاية الحرجة، بينها حاضنات في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة. وأشارت إلى أن المستشفى أصبح غير قادر على العمل بصورة طبيعية، وأن إعادة تشغيله حتى بالحد الأدنى تحتاج إلى جهود كبيرة لإزالة آثار الدمار وتأمين المباني والمعدات.
ولم يكن الدمار ماديًا فقط؛ فقد وثقت المنظمة ظروفًا قاسية عاشها المرضى خلال الحصار، شملت نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، في وقت كان المستشفى يستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين الذين لجأوا إلى ساحاته ومبانيه بحثًا عن الأمان.
المعمداني.. مأساة داخل المستشفى
في 17 أكتوبر 2023، تعرض المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في مدينة غزة لانفجار أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا والجرحى.
وأدانت منظمة الصحة العالمية الواقعة في حينها، مؤكدة أن المرافق الصحية والمرضى والعاملين في القطاع الطبي يجب أن يحظوا بالحماية بموجب القانون الإنساني الدولي.
وأصبح المستشفى، مثل غيره من المنشآت الطبية في غزة، جزءًا من مشهد إنساني بالغ التعقيد، إذ لم يعد المرضى وحدهم يعتمدون عليه؛ بل لجأ إليه أيضًا نازحون بحثًا عن الحماية، ما جعل أي استهداف للمرفق الصحي يهدد حياة المرضى والعاملين والمدنيين الموجودين داخله أو في محيطه.
_1829_094822.jpg)
مجمع ناصر.. شريان الجنوب تحت الحصار
في خان يونس، واجه مجمع ناصر الطبي، أحد أهم المستشفيات في جنوب قطاع غزة، ظروفًا شديدة القسوة خلال الحرب.
وفي فبراير 2024، تعرض المجمع للحصار ثم للقصف، ما تسبب في أضرار واسعة وأدى إلى توقفه عن العمل بصورة كاملة لفترة من الوقت. وقالت منظمة الصحة العالمية إن القصف الذي تعرض له في 14 فبراير جاء بعد أسبوع من الحصار، وأدى إلى أضرار كبيرة في المباني والمعدات الحيوية، ما جعل المجمع غير قادر على تقديم خدماته الطبية بصورة طبيعية.
ولم يكن أثر توقف ناصر مقتصرًا على المرضى الموجودين داخله، إذ كان المستشفى من أهم مراكز الإحالة الطبية في جنوب القطاع، ويقدم خدمات حيوية تشمل الجراحة والعناية المركزة ونقل الدم وعلاج الحالات الحرجة.
وفي يونيو 2025، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن مجمع ناصر ومستشفى الأمل كانا آخر مستشفيين حكوميين عاملين في خان يونس، وأن خروجهما من الخدمة كان سيحرم السكان من خدمات حيوية تشمل الجراحة والعناية المركزة وغسيل الكلى وعلاج السرطان.

كمال عدوان.. آخر شريان صحي في شمال غزة
في شمال القطاع، كان مستشفى كمال عدوان أحد آخر المرافق الرئيسية التي واصلت تقديم الرعاية للسكان، قبل أن يتعرض لسلسلة من الهجمات والحصار والاقتحامات.
وفي ديسمبر 2024، أعلنت منظمة الصحة العالمية خروج المستشفى من الخدمة عقب مداهمة، وقالت إن أجزاء منه تعرضت للحريق وأضرار جسيمة، شملت المختبر والوحدة الجراحية وغرفة العمليات والمستودع الطبي.
ومع خروج كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي من الخدمة، وتعرض مستشفى العودة لأضرار بالغة، قالت المنظمة إن سكان شمال غزة وصلوا إلى نقطة انهيار فيما يتعلق بالحصول على الرعاية الصحية.
وهكذا لم يعد التحدي أمام سكان شمال القطاع هو الحصول على علاج متقدم فحسب، وإنما أصبح الوصول إلى مستشفى قادر على استقبال المريض وتقديم أبسط الخدمات الطبية تحديًا بحد ذاته.
_1829_094855.jpg)
المستشفى الإندونيسي.. العلاج تحت الحصار
تعرض المستشفى الإندونيسي في شمال غزة لهجمات متكررة خلال الحرب، وأصبح محاصرًا في فترات مختلفة، وسط انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية.
وفي نوفمبر 2023، قالت منظمة الصحة العالمية إنها كانت «مفزوعة» من هجوم على المستشفى أُبلغ عن سقوط قتلى خلاله، بينهم مرضى ومرافقون كانوا يقيمون داخل المستشفى.
وفي مايو 2025، أعلنت المنظمة أن المستشفى أصبح خارج الخدمة نتيجة استمرار الوجود العسكري في محيطه وعدم إمكانية الوصول إليه، مشيرة إلى أن محاولة لإيصال الغذاء والمياه وتقييم أوضاع المرضى ونقل المعدات الطبية اضطرت إلى التوقف بسبب الظروف الأمنية .

مستشفى العودة.. خدمات أساسية تحت النار
لم يكن مستشفى العودة في شمال غزة بمنأى عن تداعيات الحرب. فقد تعرض للحصار والاستهداف، ما أثر على قدرته على تقديم خدماته الطبية وأدى إلى إصابة عاملين صحيين وتعطيل عدد من الخدمات الأساسية.
ومع تراجع قدرة المستشفيات في شمال القطاع على العمل، أصبحت المنشآت القليلة المتبقية أمام أعداد من المرضى والجرحى تفوق قدرتها الاستيعابية، بينما أصبح نقل الحالات الخطرة إلى مستشفيات أخرى أكثر صعوبة بسبب العمليات العسكرية والطرق المتضررة والقيود المفروضة على الحركة.
_1829_094917.jpg)
أرقام تكشف حجم الكارثة
لا تعكس أضرار المستشفيات وحدها حجم الأزمة الصحية في غزة؛ فالضرر امتد إلى سيارات الإسعاف والكوادر الطبية ومراكز الرعاية الأولية وسلاسل الإمداد.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، وثقت المنظمة 651 هجومًا على الرعاية الصحية في غزة بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2024 ، أسفرت عن مقتل 885 شخصًا وإصابة 1,352 آخرين ، وطالت الهجمات 122 منشأة صحية و161 سيارة إسعاف، فيما تعرضت 33 من أصل 36 مستشفى لأضرار بدرجات متفاوتة خلال تلك الفترة.
وفي مايو 2025، قالت المنظمة إن عدد الهجمات الموثقة على الرعاية الصحية منذ أكتوبر 2023 بلغ 697 هجومًا وفق ذلك التحديث، وإن أربعة مستشفيات رئيسية اضطرت إلى تعليق خدماتها خلال أسبوع واحد فقط نتيجة قربها من مناطق القتال أو تعرضها للهجمات. وأكدت أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 كانت تعمل آنذاك، مع معاناتها من نقص حاد في الإمدادات والعاملين والأمن.
وبحلول يناير 2026، تجاوز إجمالي الهجمات التي تحققت منها منظمة الصحة العالمية 930 حادثة منذ أكتوبر 2023، فيما تعرضت جميع مستشفيات غزة البالغ عددها 36 مستشفى لأضرار، ولم يكن هناك مستشفى عامل في شمال القطاع.
_1829_094928.jpg)
المرضى بين الموت والعجز عن الوصول إلى العلاج
أخطر ما خلفته الحرب على القطاع الصحي لم يكن فقط تدمير المباني، وإنما فقدان القدرة على تقديم العلاج في الوقت المناسب.
فالمريض الذي يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة قد يجد نفسه أمام مستشفى بلا غرفة عمليات، والمصاب الذي يحتاج إلى نقل دم قد يواجه نقصًا في وحدات الدم، ومرضى غسيل الكلى أو السرطان قد يجدون الخدمات التي يعتمدون عليها متوقفة أو محدودة، بينما يواجه الأطفال حديثو الولادة خطرًا مضاعفًا عندما تتوقف الكهرباء أو تنفد إمدادات الوقود.
وفي سبتمبر 2024، قالت منظمة الصحة العالمية إن 17 مستشفى فقط من أصل 36 كانت تعمل بصورة جزئية، وإن خدمات إعادة التأهيل والرعاية المتخصصة تعطلت على نطاق واسع، الأمر الذي حرم أعدادًا كبيرة من المصابين بإصابات معقدة من العلاج الذي يحتاجونه.

المستشفى لم يعد مكانًا للعلاج فقط
من أكثر الجوانب الإنسانية قسوة في أزمة القطاع الصحي أن المستشفيات تحولت أيضًا إلى أماكن للاحتماء.
ففي ديسمبر 2023، قالت منظمة الصحة العالمية إن آلاف النازحين كانوا يحتمون داخل مجمع الشفاء ومستشفى الأمل، مشيرة إلى أن نحو 50 ألف شخص كانوا يحتمون في الشفاء وحده في ذلك الوقت، بينما كان نحو 14 ألفًا موجودين في الأمل .
وهكذا أصبح استهداف أو تعطيل المستشفى يهدد حياة فئتين في آن واحد: المريض الذي جاء بحثًا عن العلاج، والمدني الذي جاء بحثًا عن الأمان .
_1829_094953.jpg)
أطباء يعملون وسط المستحيل
وراء كل رقم في هذه الأزمة طبيب أو ممرض أو مسعف أو عامل صحي اضطر إلى مواصلة عمله في ظروف تتجاوز قدرة البشر على الاحتمال.
كوادر تعمل لساعات طويلة، وأحيانًا دون المعدات الضرورية، في مستشفيات مكتظة بالجرحى، بينما تنقطع الكهرباء ويصعب توفير الوقود والمياه والأدوية. وفي الوقت نفسه، يواجه العاملون الصحيون مخاطر أمنية مستمرة أثناء محاولتهم الوصول إلى المرضى أو إجلائهم.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الهجمات لم تقتصر على المباني والمعدات، بل شملت أيضًا العاملين والمرضى وعمليات نقلهم، مع توثيق حالات توقيف واعتقال لعاملين صحيين ومرضى ومرافقين خلال الفترة التي شملها تقرير المنظمة حتى نهاية 2024.

تدمير المستشفى.. تدمير لسلسلة الحياة
المستشفى لا يعمل بمفرده؛ فهو يعتمد على الكهرباء والمياه والوقود والأدوية والأكسجين وسيارات الإسعاف والكوادر المتخصصة والطرق الآمنة للوصول إليه.
لذلك فإن تدمير مبنى مستشفى أو إخراجه من الخدمة يعني عمليًا قطع حلقة كاملة من سلسلة الرعاية الصحية.
وهذا ما يفسر خطورة الوضع في غزة: كل مستشفى يخرج من الخدمة لا يعني فقدان مبنى طبي فحسب، بل يعني فقدان أسرة للعلاج، وغرف عمليات، وأجهزة تنفس، ووحدات عناية مركزة، وبنوك دم، وحاضنات للأطفال، وخدمات غسيل الكلى، وسيارات إسعاف، وأطباء وممرضين يمكنهم إنقاذ الأرواح.
مأساة تتجاوز جدران المستشفيات
بعد سنوات من الحرب، أصبحت الأزمة الصحية في غزة أزمة حياة يومية. فالمصاب لا يواجه خطر الإصابة وحده، والمريض لا يواجه خطر المرض فقط؛ وإنما يواجهان أيضًا احتمال عدم وجود مستشفى قادر على استقبالهما.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن حماية المنشآت الطبية والعاملين الصحيين والمرضى ليست مسألة إنسانية فحسب، بل التزام بموجب القانون الدولي الإنساني. وقد شددت المنظمة مرارًا على ضرورة حماية المستشفيات وعدم تعريضها للهجمات أو استخدامها لأغراض عسكرية.
في غزة، لم يعد السؤال فقط: كم مستشفى دُمر؟ بل أصبح: كم حياة كان يمكن إنقاذها لو بقيت هذه المستشفيات قادرة على العمل؟
فحين تنطفئ أنوار غرفة العمليات، وتتوقف أجهزة التنفس، وتنفد الأدوية، وتتعطل سيارات الإسعاف، لا يتوقف مبنى عن العمل فقط؛ بل تتراجع قدرة مجتمع كامل على النجاة.