فتاوى تشغل الأذهان
حكم ذهاب المرأة لطبيب العلاج الطبيعي لتدليك موضع الإصابة.. دار الإفتاء تجيب
دار الإفتاء: تفاصيل البيوت أسرار يجب أن تكون حبيسة الغرف المغلقة
هل يجوز حرمان الابن العاق من ميراث والده؟ دار الإفتاء ترد
نشر "صدى البلد" على مدار الساعات الماضية، عددا من الفتاوى والأحكام الفقهية التي تشغل الأذهان وأجابت عنها دار الإفتاء المصرية، مثل: حكم ذهاب المرأة لطبيب العلاج الطبيعي، ورأي الشرع في حرمان الابن العاق من الميراث، وغيرها من الفتاوى التي يتساءل عنها كثيرون وسوف نعرضها لكم في السطور التالية.
في البداية، ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال، يقول صاحبه: "امرأةٌ أصيبت في حادث سيارة بكسورٍ بالغة في إحدى ساقيها؛ مما استلزم إجراء عدة عمليات جراحية لها، وتحتاج إلى تنفيذ برنامج علاج طبيعي يتضمن قيام الطبيب المعالج بتدليك موضع الإصابة، وهو أمرٌ لا بد منه؛ لإعادة تأهيل الساق لطبيعتها، والقدرة على المشي- حسبما قرَّره الأطباء المختصون-، فهل يجوز لها شرعًا الذهاب إلى طبيب العلاج الطبيعي في هذه الحالة؟.
وقالت دار الإفتاء إن التدليك: من الدَّلْك، وهو في اللغة أصلٌ يدلُّ على حركةٍ رفيقةٍ تؤدِّي إلى انتقال شيءٍ من مكانه، ثم استُعمِل لما يقوم به الإنسان من دعك الجسد، منوهة أن التدليك في الطب -كما جاء في "العلاج الطبيعي- الوسائل والتقنيات": [مجموعة حركات تؤدَّى باليد أو الآلة على أنسجة الجسم بهدف التأثير على الأجهزة المختلفة، الجهاز الدوري والعضلي والعصبي والأجهزة الأخرى].
وقد دعا الشرع الشريف إلى التداوي، وطلب السلامة والشفاء؛ لأن حفظ الصحة ضروري للتعبد والعمران، وجعل الله تعالى ذلك من النعم المشكورة، والآلاء الموفورة، فقال- تعالى- على لسان خليل الرحمن في معرض الامتنان: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء: 80]، وقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ» أخرجه الإمام أبو داود.
وأناط الرخص والتخفيفات بالمرضى في العبادات والمعاملات، وقد دل على ذلك نصوص كثيرة، منها: قول الله- تعالى-: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٌۗ﴾ [الفتح: 17].
وأشارت دار الإفتاء إلى أن التداوي المشروع لا يقتصر على ما يتناوله المريض من العقاقير الطبية، بل يشمل كل ما يؤدي إلى حفظ صحة الإنسان، وإزالة ما يفسدها، فمن ذلك: العلاج بالجراحة، والعلاج النفسي، والفيزيائي، إلى غير ذلك من الوسائل.
وذكرت أن التدليك الطبي أحد هذه الوسائل التي أكد الأطباء جدواها في تخفيف الآلام ومداواة الأسقام، وتأهيل مرضى الجلطات الدماغية والشلل.. إلى غير ذلك، كما صرحت وزارة الصحة والسكان المصرية على موقعها الرسمي.
وأوضحت أنه لمَّا كان العلاج الطبيعي بالتدليك قسمًا من أقسام المداواة، فإنه يأخذ حكمها، وهو الندب، والأصل أنَّه لا يجوز للطبيب أن يُباشر التدليكَ الطبيَّ للمرأة الأجنبية عنه، وكذا لا يجوز للطبيبة أن تُباشر التدليكَ الطبيَّ للرجل الأجنبي عنها، إلا عند قيام ضرورةٍ أو حاجةٍ معتبرةٍ شرعًا؛ لأنَّ الحاجةَ تُنزَّل منزلةَ الضرورة، وذلك لما فيه من الملامسة المحظورة شرعًا من حيث الأصل.
ولمَّا كان التدليك يعالج الأنسجة الجسمية، ويرتقي بوظائفها، ويهدئ الأعصاب ويعالج الآلام، ويؤهل الجسم بعد الجلطات والإصابات، وكان أمرًا لا بد منه في الصورة المسؤول عنها لإعادة تأهيل ساق المرأة المذكورة لطبيعتها، حسبما أفاده الأطباء المختصون، فهو إذًا من الأمور الحاجِيَّة؛ إذ يترتَّب على فواته وقوع المرأة المسؤول عنها في حرجٍ شديد ومشقة بالغة، تفوت معها استقامة شؤون حياتها.
ضوابط كشف المرأة عند الطبيب الرجل
وأشارت إلى أن هذا الجواز مُقيَّدٌ بجملةٍ من الشروط، وهي:
الشرط الأول: عدم وجود طبيبة حاذقة تؤدي نفس الغرض، فإذا وجدت لم يجز للمرأة الذهاب إلى الطبيب؛ لأنَّ نظر المرأة إلى المرأة، وكذا لمسُ المرأةِ المرأةَ أخف.
فلو كانت المرأة الطبيبة من البُعد بحيث يشق على المريضة الذهاب إليها، أو كانت قريبة غير أنها لتزاحم المرضى عليها تعطي المريضة موعدًا يشق عليها انتظاره، ويفاقم حالتها، أو كانت غير حاذقة، أو غيرها من رجال الطب أحذق منها، فلا مانع شرعًا من ذهابها إلى الطبيب الرجل دون الطبيبة الأنثى؛ دفعًا للمشقة عنها، ورفعًا للحرج، قال- تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٍۚ﴾ [الحج: 78].
الشرط الثاني: اقتصار نظر الطبيب على موضع الحاجة فقط؛ لأنَّ ما جاز للضرورة يقدر بقدرها.
الشرط الثالث: ألَّا يمسَّ الطبيب من جسد المرأة الأجنبية إلَّا موضع الحاجة فقط، وألا يباشر جلدها إلا للحاجة أيضًا، فليكن مسه بحائلٍ ما أمكن؛ لما تقرر في قواعد الفقه من أن "الميسور لا يسقط بالمعسور"، أي أن المتعذر العسير يسقط اعتباره، والممكن اليسير يستصحب فيه الحكم الشرعي الأصلي، فإذا تعذر حظر التدليك ومباشرة موضع الألم بسبب الحاجة المتأكدة، فذلك لا يُسقط وجوب اتخاذ الحائل الذي هو أمر يسير، والشرع الشريف يتسامح في المس بحائل ما لا يتسامح في المس بالمباشرة.
وأمَّا وجوب الاقتصار على قدر الحاجة، وعدمُ جواز تعدِّيها، فلما تقرَّر من أنَّ الضرورة تقدر بقدرها كما تقدم.
الشرط الرابع: اجتنابُ خلوةِ الطبيب بالمرأة، وذلك بحضور مَحرم، أو زوج، أو امرأة ثقة؛ إذ الخلوة ذريعة الشيطان إلى فعل المحظور.
الشرط الخامس: ألَّا تُمارَسَ أعمالُ التدليك الطبي إلَّا داخل المراكز الطبية المعتمدة المصرَّح لها قانونًا بمزاولة هذا النشاط، فقد نصَّ القانون رقم 3 لسنة 1985م -في شأن تنظيم مزاولة مهنة العلاج الطبيعي- في المادة التاسعة على أنه: [لا تجوز مزاولة مهنة العلاج الطبيعي في مراكز خاصة خارج المنشآت الطبية المنصوص عليها في القانون رقم ٥١ لسنة ١٩٨١م بتنظيم المنشآت الطبية، إلا بترخيص خاص من وزارة الصحة] اهـ.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالتدليك الطبي من الوسائل العلاجية الحديثة المشروعة التي ثبتت جدواها في تخفيف الآلام ومداواة الأسقام، غير أنَّ مباشرةَ الطبيب له مع المرأة لا تجوز إلا عند قيام ضرورةٍ أو حاجةٍ معتبرةٍ شرعًا، كخشية بُطء البُرء، أو زيادة الألم، أو حدوث شَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهر، ومن ثم فلا مانِع شرعًا من ذهاب المرأة المذكورة التي أصيبت في حادث سيارة بكسورٍ بالغة في إحدى ساقيها، مما استلزم إجراء عمليات جراحية لها، وتحتاج تنفيذ برنامج علاج طبيعي -إلى الطبيب المعالج لتدليك موضِع الإصابة لإعادة تأهيل ساقها لطبيعتها والمشي عليها، بشرط عدمِ وجودِ طبيبةٍ حاذقةٍ تُؤدِّي الغرضَ نفسه، وأن يقتصرَ نظرُ الطبيب ومسُّه جسد المرأة على موضع الحاجة للمداواة فقط، مع وجوب اتخاذ الحائل ما أمكن، واجتناب الخلوة المحرَّمة بين الطبيب والمرأة المريضة، وأن تُمارَس أعمال التدليك داخل المراكز الطبية المعتمدة المصرَّح لها قانونًا.
حفظ أسرار البيوت
قالت دار الإفتاء المصرية، إن تفاصيل البيوت أسرار يجب أن تكون حبيسة الغرف المغلقة، ويجب أن يحتوي الزوجان خلافاتهما دون اللجوء للأهل إلا إذا عجزا عن حلها، وعلى أهل الطرفين تأهيل الزوجين وتزويدهما بالخبرات الحياتية اللازمة بوعي وحكمة لتفادي أي خلافات قد تطرأ على حياتها.
وأضافت دار الإفتاء في منشور على فيس بوك، أن الإسلام ينظر للعلاقة الزوجية على أنها علاقة عُمْران مُراد منها التعاون والتكامل والتشييد، وهذا العمران الاجتماعي لا يتأتَّى بمعاملة طرف للآخر معاملةَ النِّدِّ للنِّد، ولكنها علاقة لا بد أن يتوفر فيها مبدأ الشورى، والطبيعة التكوينية لكل نوع، وكذلك الإقرار بالفضل والالتماس للعذر.
وذكرت أن حضور برامج التأهيل الزواجي أصبح أمرًا غاية في الأهميَّة -خاصة مع ما لوحظ من كثرة إغفال عظم وأهمية أمر الزواج، والاستهانة به- ووسيلة من وسائل معرفة الإنسان أحكام الزواج ومتطلباته وما يلزم عنه من حقوق وواجبات، فحسن بكل من يقبل على الزواج أن يدرك ما لها من أهمية فيسعى لحضورها ويرشد من سيشاركه الحياة الزوجية إلى حضورها أيضًا قبل الشروع في الزواج.
حرمان الابن العاق من ميراث والده
ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: توفي رجلٌ، وكان له ولد عاق به، وأوصى بحرمانه من الميراث، فما حكم هذه الوصية شرعًا؟ وهل يرث هذا الولد في تركة والده، أو يمنع من الميراث بتلك الوصية؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إنه من المقرر شرعًا أن عقوق الوالدين أو أحدهما من كبائر الذنوب، وأن برهما واجب على الأبناء، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلًا كَرِيمًا وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكبائر، قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» متفق عليه.
وذكرت دار الإفتاء أن بر الوالدين لا يقتصر على حياتهما بل يمتد لما بعد الوفاة أيضًا، ومن ثَمَّ فعلى من فاته شيءٌ من بر والديه حال حياتهما أن يتدارك برهما بعد وفاتهما، لما روي عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال «نَعَم، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» أخرجه الإمام أبو داود.
وتابعت: وإذا تقرر حرمة العقوق وأنه كبيرة من الكبائر التي يحاسب عليها العبد، إلا أنه مع ذلك ليس مانعًا من موانع الإرث؛ لأن موانع الإرث المتفق عليها تتمثل في: القتل، والرق -وهذا ليس موجودًا في زماننا-، واختلاف الدين.
وأكدت أن العقوق لا يمنع الحقوق ولا يعد من موانع الميراث، خاصة وأن الميراث حق جبري يثبت للإنسان بحكم الشرع من غير إرادة للوارث أو المورث نفسه.
وتابعت: ولأجل ذلك فإن حرمان أحد الورثة من إرثه في مورثه أو التحايل على فعل ذلك هو أمر محرم شرعًا؛ لكونه تعديًا على حد من حدود الله تعالى القائل في محكم التنزيل: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٍ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 13- 14].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه الإمام ابن ماجه.
كما أن الشرع الحنيف قد أرشدنا إلى أن الإنسان لا يعلم يقينًا أي الأبناء أنفع له في دينه ودنياه حتى يعطيه من ميراثه أو يمنعه، فقال تعالى في محكم التنزيل: ﴿ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعًاۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11].
واستكملت: فإذا ثبت أن حرمان مستحق للإرث من الميراث من الأمور المحرمة شرعًا، فإن الوصية به أيضًا لا تصح؛ لأن في تنفيذها إعانةً على المعصية وتلبسًا بها، وهو أمر محرمٌ شرعًا.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن عقوق الوالدين محرمٌ شرعًا ومن كبائر الذنوب، وبرهما واجب على الأبناء، إلا أن العقوق لا يمنع استيفاء الحقوق شرعًا، ومن تلك الحقوق الإرث الذي يدخل في مِلك الإنسان جبرًا، ولا يد للوارث أو المورث فيه، ومن ثَمَّ فإن ما أوصى به الرجل المذكور من حرمان ابنه العاق من الميراث لا يصح شرعًا، ويحق لهذا الولد نصيبه في الميراث ما لم يكن هناك مانع من موانع الإرث، وعليه أن يتدارك ما فاته من بر والده في حياته بعد وفاته، بالاستغفار له، والتصدق عليه، وصلة رحمه، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي تعود على والده بالنفع بعد موته.

