مع افتتاح الدكتور محمد هاني غنيم محافظ الفيوم فعاليات مهرجان تونس للخزف والفخار والحرف اليدوية تعود إلى الواجهة قصة قرية استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة مميزة على خريطة السياحة المصرية والعالمية بعدما تحولت من مجتمع ريفي بسيط إلى مقصد سياحي يجمع بين الفن والطبيعة والتراث إنها قرية تونس التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم التي ارتبط اسمها بصناعة الخزف والفخار وبحكاية استثنائية بطلتها السيدة السويسرية إيفلين بوريه التي لم تكتف بالعيش داخل القرية وإنما أسهمت في تغيير مسارها من خلال اكتشاف مواهب الأطفال وتعليمهم حرفة أصبحت فيما بعد واحدة من أبرز علامات المكان.
قرية صغيرة لم تكن تعرف طريق الشهرة
قبل عقود طويلة كانت تونس قرية ريفية هادئة يعيش أهلها وسط الأراضي الزراعية والطبيعة البسيطة وتطل من موقعها المرتفع على مياه بحيرة قارون دون أن تكون قد تحولت إلى مقصد سياحي معروف وكانت الحياة داخل القرية تسير بإيقاع هادئ يعتمد على طبيعة المجتمع الريفي وعاداته اليومية ولم يكن كثيرون يتوقعون أن يصبح هذا المكان يوما من أبرز الوجهات التي يقصدها السائحون والفنانون والمبدعون لكن امتلاك القرية لمقومات طبيعية مميزة وظهور تجربة فنية جديدة أسهما في رسم مستقبل مختلف لها وجعلاها نموذجا لنجاح الحرف اليدوية في دعم السياحة المحلية وخلق فرص العمل.

زيارة إيفلين التي صنعت نقطة التحول
في ستينيات القرن الماضي وصلت السويسرية إيفلين بوريه إلى قرية تونس ولفت انتباهها جمال الطبيعة والإطلالة المميزة على بحيرة قارون إلى جانب الهدوء الذي يحيط بالمكان وبساطة أهله وسرعان ما تحولت الزيارة إلى قرار بالإقامة بعدما أحبت إيفلين القرية وأهلها واختارت أن تعيش بينهم وتشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية حتى أصبحت واحدة من أبناء المجتمع المحلي وأطلق عليها الأهالي اسم أم أنجلو وكانت إيفلين متخصصة في الفنون التطبيقية وصناعة الخزف وهو ما منحها القدرة على رؤية جانب مختلف في حياة الأطفال الذين اعتادوا اللعب بالطين وتشكيله بأيديهم إلى أشكال ومجسمات بسيطة ورأت في هذه الموهبة فرصة حقيقية لتعليم الأطفال فنا جديدا يمكن أن يتحول إلى حرفة ومصدر دخل ويمنح القرية هوية فنية تميزها عن غيرها من القرى.

موهبة الأطفال تتحول إلى مشروع فني
بدأت إيفلين خطواتها بتعليم أطفال القرية كيفية تشكيل الطين وصناعة الفخار والخزف وأسست ورشة صغيرة كانت النواة الأولى لتجربة تعليمية وفنية توسعت مع مرور الوقت وتحولت الورشة إلى مدرسة يتعلم فيها الأطفال والشباب والفتيات أصول الحرفة ومراحل تصنيع المنتجات الفنية ولم يقتصر الهدف على تعليمهم صناعة الأواني والتحف بل امتد إلى تنمية قدراتهم واكتشاف مواهبهم ومساعدتهم على امتلاك مهارة يمكن الاعتماد عليها في المستقبل ومع اكتساب التلاميذ الخبرة بدأ بعضهم في تأسيس ورش خاصة بهم لتنتشر صناعة الخزف داخل القرية وتتحول من تجربة محدودة إلى نشاط اقتصادي وفني تتوارثه الأجيال كما اهتمت إيفلين بالجوانب التعليمية والاجتماعية فلم يتوقف دورها عند تعليم الحرفة وإنما امتد إلى تعليم الأطفال القراءة والكتابة وإنشاء فصل لمحو الأمية وسعت كذلك إلى التواصل مع فنانين وخزافين من الخارج وساعدت في تسويق أعمال أبناء القرية والمشاركة بمنتجاتهم في المعارض الدولية وهو ما ساهم في تعريف العالم بما يمتلكه أبناء تونس من مهارات وإمكانات فنية.

صناعة الخزف أصبحت هوية تونس
مع مرور السنوات أصبحت ورش الخزف والفخار جزءا أساسيا من ملامح القرية وأصبحت زيارة هذه الورش تجربة مهمة للسائحين الذين يمكنهم مشاهدة مراحل صناعة القطع الفنية والتعرف على تفاصيل العمل اليدوي وتبدأ هذه المراحل بإعداد الطين وتشكيله ثم تجفيفه وحرقه وتلوينه وتشطيبه حتى يتحول إلى منتج فني يحمل بصمة صانعه ويعكس طبيعة المكان ولم تعد منتجات تونس مجرد أدوات تقليدية للاستخدام اليومي بل أصبحت أعمالا فنية مميزة يقبل عليها الزوار ويحرصون على اقتنائها باعتبارها جزءا من التراث الفني للقرية وساعد انتشار الورش على توفير فرص عمل لأبناء المكان كما ساهم في تعزيز شهرة تونس خارج حدود الفيوم وأصبحت القرية تستقبل الفنانين والمبدعين والسائحين المصريين والأجانب الراغبين في التعرف على هذه التجربة.

السياحة البيئية تضيف بعدا جديدا لشهرة القرية
لم تتوقف رحلة تونس عند صناعة الخزف والفخار فقد ساعدت المقومات الطبيعية التي تتمتع بها على جذب مزيد من الزوار وظهور أنماط مختلفة من المشروعات السياحية فالقرية تطل على بحيرة قارون وتتميز بمنازل ذات طابع معماري ريفي ومساحات خضراء وأجواء هادئة تجعلها مكانا مناسبا للراغبين في قضاء أوقات بعيدا عن صخب المدن كما ساهم موقعها بالقرب من محمية وادي الريان وبحيرة قارون في تعزيز أهميتها ضمن الرحلات السياحية التي تستهدف استكشاف الطبيعة والمحميات والمناظر الصحراوية التي تتميز بها الفيوم ومع تزايد الإقبال السياحي ظهرت الفنادق البيئية وبيوت الضيافة والمطاعم وأصبحت القرية تقدم تجربة متكاملة تجمع بين الإقامة والاستمتاع بالطبيعة ومشاهدة الحرف اليدوية والتعرف على التراث المحلي.
رحلت إيفلين وبقيت بصمتها في كل ورشة
في يونيو عام 2021 رحلت إيفلين بوريه عن عالمنا بعد سنوات طويلة قضتها في مصر وبين أبناء قرية تونس إلا أن رحيلها لم ينه حكايتها فقد بقي أثرها حاضرا في الورش والمنتجات الفنية وفي الأجيال التي تعلمت على يديها فقد تركت وراءها تجربة تجاوزت حدود تعليم صناعة الخزف لتصبح نموذجا لدور المبادرات الفردية في تغيير حياة المجتمعات المحلية وكل قطعة فنية يبدعها أحد أبناء القرية وكل ورشة تستمر في العمل وكل فرصة رزق وفرتها هذه الحرفة تمثل امتدادا لفكرة آمنت بها إيفلين وبدأت تنفيذها منذ عقود لقد أثبتت تجربتها أن اكتشاف موهبة واحدة لدى طفل يمكن أن يكون بداية لتغيير مستقبل قرية كاملة وأن الاستثمار في الإنسان والتعليم والإبداع قد يصنع أثرا يمتد لسنوات طويلة.
مهرجان تونس يجدد الاهتمام بواحدة من أهم تجارب الفيوم
يتزامن افتتاح مهرجان تونس للخزف والفخار والحرف اليدوية مع استمرار حضور القرية على خريطة السياحة المصرية باعتبارها نموذجا يجمع بين التراث الفني والطبيعة والمشروعات السياحية البيئية وأصبحت تونس اليوم وجهة يقصدها الزوار من مختلف المحافظات ومن خارج مصر للاستمتاع بموقعها المميز والتعرف على منتجاتها اليدوية ومشاهدة الحرفيين أثناء العمل لكن الحفاظ على ما حققته القرية يتطلب استمرار تطوير الخدمات والبنية الأساسية وتقديم الدعم لأصحاب الورش ومساعدتهم على الوصول إلى أسواق جديدة لعرض منتجاتهم إلى جانب تعزيز الترويج السياحي والحفاظ على الطابع المعماري والبيئي الذي يمنحها خصوصيتها وتظل حكاية تونس أكثر من مجرد قصة نجاح سياحي فهي تجربة إنسانية بدأت بإيمان سيدة سويسرية بقدرات أطفال قرية بسيطة واستطاعت أن تحول اللعب بالطين إلى حرفة وصناعة ومصدر رزق ثم إلى علامة فنية وسياحية يعرفها العالم.