بعد فتوى عدم إباحة فسخ الخطوبة.. البحوث: شرعت للتعارف وتكوين صورة واضحة عن الأخلاق.. و«العقيدة»: الانفصال جائز
عطية: الخطوبة عقد بين الطرفين ولا يجوز فسخها
البحوث الإسلامية:
- فسخ الخطوبة جائز شرعا.. وليست عقدًا
- الخطبة وعدُ غيرُ ملزم عند جمهور الفقهاء
أستاذ عقيدة:
الخطبة لا تحل حرامًا ويجوز فسخها
أثارت فتوى الدكتور مبروك عطية، رئيس قسم اللغويات بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، جدلاً كبيرًا، بأن الخطبة عقد، ووعد بالزواج ينبغي الوفاء به من الطرفين، ولا يجوز الرجوع فيها، واستشهد بقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» الأنعام 1، وبقوله تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً» [الإسراء: 34].
من جانبه، قال الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إن الخطبة مقدمة لعقد الزواج، وهذا الوعدُ غيرُ ملزم عند جمهور الفقهاء لأنه ليس عقدًا ولا يحل حرامًا، ولا يحرِّم حلالاً.
وأضاف «الجندي» أن فتوى الدكتور مبروك عطية غير صحيحة، لأن الخطوبة ليست عقدًا، إلا أن الإمام مالك رأى أن يكره فسخ الخطوبة إذا ترتب عليها ضرر أو دخل الخاطب على المخطوبة، فاعتبرها مخالفة للعهد، ولكنها غير ملزمة: أي لا يشترط إتمامها.
وأشار المفكر الإسلامي، إلى أنه ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز فسخ الخطوبة، غير أن الحنابلة قالوا بالكراهة إن كان العدول لغير غرض، فإن كان العدول لغرض مشروع فالجميع على عدم الكراهة.
واستدلَّ الحنفية والحنابلة الذين قالوا بجواز العدول عن الخطبة بما يلي: أولاً: بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب».
وبين عضو مجمع البحوث، أن محل الشاهد في الحديث السابق: قوله: حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب، وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه؛ لأن للخاطب الأول حقًا في الفتاة فلا يُنازع عليه؛ لئلا يسرى التباغض والتشاحن بين المسلمين.
وتابع: وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للخاطب الأول حقّ الترك، وأجاز له التنازل للخاطب الثاني، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يجوّز العدول عن الخطبة ويصور هذا العدول بصورتين: الترك، أو إعطاء الإذن للغير كي يتقدم لخطبة الفتاة، وفيه إشعار بإسقاط الحق، النابع من العدول عن الخطبة، ولم يجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- جواز الترك معلقًا على سبب بل جعله حقًا للخاطب الأول.
واستطرد: ثانياً: إنّ عليًّا -رضي الله عنه- خطب بنت أبي جهل، فلما أنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض علي -رضي الله عنه- عن الخطبة، مضيفا وجه الدلالة: لو كان الإعراض عن الخطبة مكروهًا لما أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على سيدنا علي -رضي الله عنه- كي لا يضطره للوقوع في المكروه، بل لأن العدول جائز وهو حق للخاطب أدى إنكار النبي -صلى الله عليه وسلم- على سيدنا علي -رضي الله عنه- أن يقع في الجائز ممارسًا حقه، ولكن لكراهة النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الخطبة سبب مذكور في القصة فهو إعراض لسبب.
ولفت إلى أن من حكمة الخالق -عزّ وجلّ- أنْ شُرعت الخِطبة قبل عقد الزواج وذلك: لإعطاء أهل المخطوبة الفترة الكافية للسؤال عن الخاطب ومعرفة أحواله، والعكس، ولتكوين صورة واضحة عن أخلاق الخاطب ومعرفة شمائله، والعكس، وليتعرف الخاطب عن كثب على شخصية المخطوبة، والعكس، وللتنويه على أهمية عقد النكاح؛ لأن في الخطوبة تنويهًا على ذلك، إذ هي المقدمة لإبرام العقد، وللتهيؤ لإجراء الزواج، وحتى لا يُقدم آخر على خطبة هذه المرأة التي يرغب بها.
الخطبة لا تحل حراماً
من جانبها، قالت الدكتورة إلهام شاهين، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، إنّ الخطبة وعد بالزواج، ومجرد طلب، مشيرة إلى أن الفقهاء اتفقوا على أنها ليست عقدًا، ولا تحل حرامًا، ويجوز فسخها.
ونبهت «شاهين» على أن فتوى الدكتور مبروك عطية بـ"أنه لا يجوز" ليست في محلها، موضحة أن استشهاده بقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (الأنعام 1)، ليس صحيحا لأن الآية تتحدث عن العقد الذى تم بأركانه وشروطه.
واستطردت أستاذ العقيدة «أما الخطبة فهى مرحلة أولى للوعد بالزواج، وعد بوجود النية والسعى لتحقيقها بإتمام عقد الزواج، مشيرة إلى أن الخطبة حكمها مستحب شرعا، فيكون فسخها والعدول عنها مكروهًا إذا كانت بدون سبب.
واستكملت: أن فسخ الخطوبة يكون مستحبًا إذا سببت ضررًا، مستشهدة بحديث الذي روي عنْ أَبي سَعيدٍ سَعدِ بنِ مَالِك بنِ سِنَانٍ الخُدريِّ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» حَدِيْث حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ، وبالقاعدة الفهية: «الضرر يزال»
الشبكة من حق الخاطب
بدورها، أكدت دار الإفتاء، أن الخِطْبَة وقراءة الفاتحة وقبض المهر وقبول الشبكة والهدايا كل ذلك من مقدمات الزواج ومن قبيل الوعد به ما دام عقد الزواج لم يتم بأركانه وشروطه الشرعية، وقد جرت عادة الناس بأن يقدموا الخطبـة على عقد الزواج؛ لتهيئة الجو الصالح بين العائلتين.
ونوهت بأنه إذا عدل أحد الطرفين عن عزمه ولم يتم العقد فالمقرر شرعًا أن المهر إنما يثبت في ذمة الزوج بعقد الزواج، فإن لم يتم فلا تستحق المخطوبة منه شيئًا، وللخاطب استرداده، مضيفة: أما الشبكة التي قدمها الخاطب لمخطوبته فقد جرى العرف على أنها جزء من المهر؛ لأن الناس يتفقون عليها في الزواج، وهذا يخرجها عن دائرة الهدايا ويلحقها بالمهر، وقد جرى اعتبار العرف في التشريع الإسلامي؛ لقوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» [الأعراف: 199].
وتابعت: أنه قد جاء في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه: «ما رَأى المُسلِمُونَ حَسَنًا فهو عندَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوا سَيِّئًا فهو عندَ اللهِ سَيِّئٌ» أخرجه أحمـد والطيالسي في مسنديهما، منوهة بأن الشبكة من المهـر، والمخطوبة المعدول عن خطبتها ليست زوجة حتى تستحق شيئًا من المهر، فإن المرأة تستحق بالعقد نصف المهر وتستحق بالدخول المهر كله.
وأفادت: بأن الشبكة المقدمة من الخاطب لمخطوبته تكون للخاطب إذا عدل الخاطبان أو أحدهما عن عقد الزواج، وليس للمخطوبة منها شيء، ولا يؤثر في ذلك كون الفسخ من الخاطب أو المخطوبة.