حكايات السحر والشعوذة في سجلات محاكم الأسرة.. أميرة: عفاريت حماتي دمرت حياتي.. سماح:"ضرتي سخّرت شياطينها لأذيتي".. ونجوى: السحر جعل زوجي يراني "قردة"
يؤمنون أن حياتهم هدمت وبيوتهم خربت وتغيرت طبائع شركائهم فى الحياة بفعل قوى خارقة لجنّي سخره عدو لهم كى ينغص عليهم عيشتهم، أوسحرا أسود صنعه دجال محترف فى إيذاء العالمين ومتمرس فى التفريق بين المرء وزوجه، لدسه فى أغراضهم أو دفنه فى مكان قصى مهجور، أو القائه فى بئر عميق يصعب الوصول إليه كى يظل مفعوله قائما مقابل آلاف الجنيهات ويقتنعون بأن الهدوء لن يعود إلى بيوتهم إلا بفك "العمل السفلى".
اعتقاد المصريين بقدرة الدجالين والمشعوذين على حل مشاكلهم وخاصة النساء جعلهم ينفقون نحو1.4 مليار دولار سنويا بحسب الدراسة التى أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية العام الماضى، هذه الدراسة كشفت أيضا أن عددا من يعملون في تلك المهنة وصل الى 300 الف شخص على الأقل كما أكدت دراسة أخرى ان 63 % من المصريين يؤمنون بالخرافات.
يرصد "صدى البلد" في السطور التالية حكايات وتجارب حية لزوجات وأزواج مع السحر والشعوذة من واقع دفاتر محاكم الأسرة..
"سحر أسود"
تعج قاعة الجلسات بالحاضرين، الحاجب الثلاثينى ذو البنية النحيلة، والشعر الأسود المجعد، والملابس الرثة يحاول اعادة الهدوء إلى جنبات القاعة المكتظة، ألسنة الغضب تتصاعد من عينيه الضيقتين، وبصوت حاد يصدر أولى تحذيراته للجالسين:" هدوء ياحضرات الجلسة شغالة، وسط هذه الجلبة، جلست "أميرة" الزوجة العشرينية إلى جوار أمها العجوز التى ابيضت عيناها من كثرة ما فيض منهما على حال ابنتها فى سكون يشبه سكون الموتى، تتذكر تفاصيل حياة غادرها الهدوء والحب على يد غيرة شقيقة زوج عقيمة وعمل حماة "سفلى" -حسب قولها- ورجل استسلم لنزواته وشهواته وعبأ أذنيه بكلام أهله، وكلما علت موجات مد الذكريات المؤلمة أحكمت السيدة العشرينية ذات الوجه الشاحب والثياب المهندمة قبضتها على أوراق دعوتى الطلاق والنفقة اللتين أقامتهما بمحكمة الأسرة بزنانيرى.
وبصوت متهالك من الحزن على زواج لم يدم أكثر من 4 سنوات بدأت الزوجة العشرينية رواية تفاصيل حكايتها لـ"صدى البلد" قائلة:"أعترف أن حياتى مع زوجى مرت فى البداية هادئة، ولا أبالغ إذا قلت إنها كانت أقرب إلى المثالية، لا يشوبها حزن ولا يعكر صفوها شجار، وكان الجميع فى بيت العائلة يحبوننى، والصغير قبل الكبير يغمرنى باهتمامه حتى والدة زوجى لم تكن ترد لى طلبا، ولم تهن كرامتى يوما كما تفعل بعض الحموات مع زوجات أولادهن، أو تقسى قلب حبيبى عليّ منذ أن وطأت قدمى بيتها، بل كانت تقضى لى حاجاتى، وتعاملنى كواحدة من أولادها، ولم يحمل همى فى الحمل والولادة إلا هي".
تعود الزوجة العشرينية برأسها المثقل بالهموم إلى الخلف وهى تقول:"حتى جاء اليوم الذى علمت فيه بأمر عجز ابنتها عن الإنجاب، إنقلب حالها خاصة بعد أن بدأت ابنتها العقيمة الغيورة فى بث كلماتها المسمومة عنى، ولأول مرة أصدرت "حماتى" فرمانها بألا أنجب ثانية حفاظا على شعور فلذة كبدها، وما ذنبى أنا لا أعلم فهذا أمر الله، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء ذكورا، ويجعل من يشاء عقيما، وحينما رفضت الخضوع إلى أمرها بحرمانى من نعمة البنين، قررت أن تفسد علاقتى بزوجى، وللأسف نجحت بفعل أعمالها السفلية التى اشتهرت طوال عمرها بمعرفة أسرارها ورجالها".
تغافل الزوجة العشرينية دمعة وهى تختتم روايتها قائلة:"ومنذ أن دست حماتى عملها الأسود بين أغراضى، لم يعد يغادر الشجار والعراك بيتى ، وتحول زوجى إلى شخص حاد الطباع، غليظ القلب، وباتت يده تطالنى بسبب وبدون سبب، وأصبح يتفنن فى إلباسى ثوب الشيطان، ولم يعد يطيق النظر فى وجهى وحينما يرانى يسود وجهه وكأنه رأى جنيا، وبات يقيم علاقات مع النساء، أنا أيضا صرت لا أطيق المكوث فى البيت، وقبل رحيلى منه بلا عودة، نشبت بينى وبينه مشاجرة كبرى بادلته فيها اللكمات والضربات لأول مرة ، ولم أعبأ بالجنين الذى أحمله فى أحشائى وهو كذلك، ثم تركت له البيت والطفلين وعدت إلى بيت أهلى وقبلى يذرف دما عليهما، وحررت ضده محضر وثقت فيه واقعة ضربه لى وما خلفه على جسدى من إصابات، وصدر حكم ضده بالسجن واستأنف على الحكم، حاول بعدها أن يكسب ودى من أجل الأولاد فاشترطت عليه أن يوفر لى سكنا بعيدا عن بيت أهله، لكن والدته أبت واعتدت علىّ بالضرب فى بيتى أثناء جلسة الصلح، فقررت أن أحصل على حقى منهم بالقانون وأقمت دعوى نفقة وطلاق للضرر بمحكمة الأسرة بعدما يئست من انصلاح الحال".
"البيت الملعون"
بوجه شاحب، وبصر شاخص، وقفت "سماح" ذات الـ 36 ربيعا مرتدية عباءة سوداء فضفاضة تخفى بطنها المنتفخ من أثر الحمل، وتحيط عينيها المنهكتين بخط اسود رفيع، امام اعضاء مكتب تسوية المنازعات الاسرية بمحكمة الاسرة بزنانيرى، تطلب بصوت وهن الخلع بعد زواج لم يستمر الا لـ3 أشهر بسبب رفض زوجها ترك بيتهما المسكون بالجن كما تدعى.
تبدأ الزوجة الثلاثينية حكايتها بكلمات متلعثمة:" طليقة زوجى هى من قلبت دنياى رأسا على عقب بأعمالها السفلية، وبسبب عملها الشيطانى جافى النوم عيونى وهاجمتنى الكوابيس، وبدأت ارى طيفا اسود باهت الملامح ، واسمع اصواتا غريبة، ولم اعد اتحمل ان يقترب زوجى منى، او ان امكث فى بيتى دقيقة، رغم اننى لم اؤذها يوما وقبلت أن أربى صغيرتها لها بعد ان تركتها لوالدها، لكن كفاك الله كيد الدجالات، حكيت لزوجى ما اراه، واستعنا بالمشايخ والمقرئين، لكن دون جدوى، فطلبت منه ان نترك البيت وننتقل لاخر لعل وعسى يتبدل الحال، فرفض ووبخنى، حاولت اقناعه ولكنه استمر فى عناده، فحملت اغراضى ورحلت عنه، وقررت الخلاص من تلك العيشة قبل ان اصاب بالجنون، ومنذ ان تركت هذا البيت اللعين، وانا لا ارى مثل هذه الخيالات، قد اكون اخطأت عندما تزوجت برجل يكبرنى بأكثر من 20 عاما، ومطلق ولديه اطفال، لكن تقدمى فى السن جعلنى اقبل بأى رجل، ولن اعود إليه الا اذا اشترى لى بيت آخر".
استدعى اعضاء مكتب التسوية الزوج البالغ من العمر(58) عاما ليستمعوا لحكايته هو الاخر، وبصوت غاضب بدأ يسرد روايته أمامهم: "فعلت المستحيل لأحافظ على بيتى وزوجتى، نحلت نعالى على اعتاب المشايخ والدجالين واضرحة اولياء الله الصالحين، ولم يمر يوم الا وزار بيتنا التعيس احد المقرئين ليتلو آياته وتعاويذه ويصرف ما أصاب بيتنا من الكرب بسبب عمل سلفى جهزته طليقتى لتفسد زواجى حسب ادعاء زوجتى، وفى كل مرة يلقون على مسامعى عبارة:"البيت مافيهوش حاجة، والست معلهاش"، لكن حالها لم ينصلح، وظلت كما هى طوال الوقت غاضبة وقلقة وتصب لعناتها علي بسبب وبدون سبب، وتتركنى وحيدا فى الفراش بالايام، حولت حياتى الى جحيم، وفوجئت بها تطلب منى تغيير الشقة وتلح فى طلبها، حينها تأكدت ان الجن لم يكن سوى حيلة لجأت اليها زوجتى لتنتقل الى بيت آخر بعيدا عن اهلى، حاولت ان اقنعها بألا تخرب بيتها وتعود لرشدها، من اجل الجنين الت يتشكل فى احشائها، ولكنها اصرت على موقفها وتركت البيت، سعيت للصلح لكنها تشبثت بمطلبها، واقامت دعوى خلع".
"عمل سفلي"
حكاية "نجوى" ذات الـ17 ربيعا والتى وقفت على أعتاب محكمة الأسرة لتعترض على طلب زوجها لها بالدخول فى طاعة لا تقل غرابة عن الحكايات السابقة فهى الأخرى ترى أن أعمال حياتها السفلية هى ما تسببت فى تدمير حياتها وجعلته يراها فى هيئة "قرد" كل ليلة بحسب زعمها، تقول الزوجة الشابة لصدى البلد:" كانت تكرهنى، وترى أننى عدوة لها، فأنا التى انتزعت ابنتها المدلل من بين أحضانها، ولم تجد سبيلا آخر للتفريق بينى وبين زوجى سوى اللجوء إلى دجاليها ومشعوذيها الذين اعتادت الإستعانة بهم فى كافة صراعاتها ، ومن وقتها لم يقترب زوجى منى وكلما حاولت أن أرغبه فى صرخ فى وجهى قائلا:" ابعدى عنى انا شايفك زى القردة".
تواصل الزوجة حديثها:" بات زوجى يضربنى بسبب وبدون سبب، ويطردنى فى الشارع ليلا بملابسى الداخلية ، ساءت حالتى النفسية وباتت تنتابنى حالات هياج ، وأنزف دما أسود من فمى وأنفى دون سبب واضح، وحار الأطباء فى علاجى، فاضطررت للجوء إلى المشايخ الذين أكدوا لى أن حماتى قد أعدت لى سحرا أسود ودسته بين أغراضى، هرعت إلى زوجى وسردت له ماحدث معى، لكنه لم ينصفنى واتخذ صف والدته، وكعادته طردنى وحرمنى من ابنى، فلجأت لمحكمة الأسرة وأقمت دعوى ضم حضانة وصدر الحكم لصالحى ثم فوجئت بزوجى ينذرنى بالدخول فى طاعته".