- الشيخ سالم الهرش خدع إسرائيل أمام العالم . ورفض تدويل سيناء
- نقل الشيخ سالم إلى مصر عن طريق الأردن قبل أن يقع في أيدي إسرائيل
في تاريخ الشعوب أيام لا تنسى، والشعوب الواعية تطبع مثل هذه الأيام في عقول وقلوب ووجدان أبنائها ليتوارثوها جيلا بعد جيل لما فيها من ولاء وانتماء وفخر وكرامة وعزة.
حاول الإسرائيليون تحريض أهالي سيناء على الاستقلال بها، والإعلان عن دولة سيناء، وحشدت إسرائيل في سبيل ذلك كل طاقاتها لتحقيق حلمها في تدويل سيناء من مصريتها وعروبتها، وسعيا وراء الهدف التقى موشيه ديان، وزير الدفاع في إسرائيل آنذاك، عددا من مشايخ سيناء وأغدق عليهم بالهدايا والأموال لإقناعهم بفكرة تحويلها إلى دولة مستقلة.
في نفس الوقت، علمت السلطات المصرية بتفاصيل المخطط الإسرائيلى، فقامت بتكليف الضابط السيناوى محمد اليمانى بمتابعة القضية، حيث طلب من المشايخ وفق تعليمات من القاهرة بمواصلة خداع ومجاراة إسرائيل في طلبها، وقام برصد تحركات العدو الصهيونى واتصالاته الدولية، في الوقت الذي وافقت فيه أمريكا وعدد من حلفائها على دعم القضية في حالة موافقة أهل سيناء على التدويل في مؤتمر عام يراه العالم كله.
وجاءت اللحظة الحاسمة وعقد مؤتمر الحسنة وتجمع مشايخ سيناء جميعًا وحضر موشى ديان الذي اقتنع تمامًا بأن سيناء ستكون منطقة دولية لوقوعها في يد الاحتلال.
وعقد المؤتمر بمنطقة "الحسنة" بوسط سيناء وجاء موشى ديان ومعه أشهر مخرج إيطالي في ذاك القوت لكي يكون الخطاب مذاعًا ومسموعًا للعالم أجمع واستضاف مجموعة لا بأس بها من رجال "الأمم المتحدة" وبدأت فعاليات المؤتمر الذي تحدث فيه اليهود عما قدموه للأهل في سيناء وعن طموحهم وآمالهم بالنسبة لهم.
وعندما طلبوا الكلمة من شيوخ سيناء، وقع الاختيار الذي كان متفقًا عليه مسبقًا على الشيخ "سالم الهرش" الذي خدعه في بداية كلمته قائلًا: "أنتم تريدون سيناء دولية، يعني أنا الآن لو أعلنت سيناء كدولة ستضعون صورتي على الجنيه السيناوي"، فأجاب "ديان" بابتسامة مهللة وكأنه يقول: "بالطبع"، وإذا بالشيخ سالم يقول: "أؤكد لكم أن سيناء مصرية وستظل مصرية 100% ولا يملك الحديث عنها إلا الزعيم جمال عبد الناصر"، فكانت الصاعقة التي نزلت على الوجوه الصهيونية وما كان من موشى ديان إلا أن أطاح بالمنصة.
المصير الذي كان ينتظر الشيخ سالم هو الإعدام على يد الإسرائيليين لولا المخابرات المصرية التي كانت تعلم كل شيء فانتظرته بسيارة جيب ورحلته إلى الأردن وأسرته عبر ميناء العقبة فاستقبله الأردنيون استقبال الفاتحين هناك، واستقبله الرئيس جمال عبد الناصر وأهداه نوط الامتياز من الدرجة الأولى.
عقب المؤتمر، قامت السلطات الإسرائيلية اتخاذ إجراءات قمعية عنيفة ضد السكان واعتقل 120 من المشايخ والمواطنين، ويعد الشيخ سالم الهرش من أبطال سيناء الذين قدموا خدمات جليلة للجيش المصري خلال فترة احتلال إسرائيل لسيناء، وله مواقف مشهودة لن ينساها له التاريخ.
الشيخ سالم الهرش (1910 - 1981) شيخ مشايخ قبائل سيناء وزعيم قبيلة البياضة، شارك بدور رئيسي في مؤتمر الحسنة والذي تسبب في إفساد خطة إسرائيل لتدويل منطقة سيناء، ونظرًا لموقفه الوطني قام الرئيس عبد الناصر بتكريمه عام 1968 وأهداه نوط الامتياز من الدرجة الأولى، وبعد انتهاء حرب أكتوبر عاد إلى سيناء وتوفي عام 198 وكان متزوجا من 4 سيدات وله من الأولاد 10 والبنات 8 وله من الأحفاد 70 حفيدا من الأولاد.
وتعتبر سلوى الهرش إحدى سيدات المجتمع البدوي السيناوي، وهي أيضا حفيدة الشيخ المجاهد سالم الهرش، وشغلت منصب أمينة المرأة بالحزب الوطني قبل عام 2009م ومدير المكتب القومي للسكان بشمال سيناء، وأخيرا أمينة المرأة بمجلس القبائل العربية.
وفى كتاب "العمليات السرية خلف الخطوط الإسرائيلية" للواء بدر حامد، يقول حول سالم الهرش: "جاء اليوم الموعود الذي أعده الإسرائيليون لشهور طويلة فى تحركات المجموعة بين المناطق وبذل الوعود البراقة والألاعيب البهلوانية لاستغلال بساطة هؤلاء المواطنين الطيبين وطبيعتهم التلقائية، فقد شعر بأنهم حققوا مكسبا عظيما ومكسبا كبيرا ولم يبق إلا التشكيلات فقط ويتم تنفيذ السيناريو الذي أعدوه لهذا اليوم وكان يسيطر عليهم شعور عارم بنجاح حلمهم الذي ظل يراودهم منذ سنين فى التوسع وستكون أرض سيناء جزءا من أرض إسرائيل الكبرى يعيشون هذه الأحلام وهم غافلون عن السيناريو المضاد الذي أعد بطريقة سرية مع مشايخ القبائل".
ويضيف الكتاب: "فى اليوم الثالث من يونيو 1968 قام الإسرائيليون بعقد مؤتمر عالمي على أرض بمنطقة الحسنة بوسط سيناء واختار الإسرائيليون هذا التوقيت وهو يوم 3 يونيو الهدف الأول ذكرى انتصار حققوه واحتفالا بضم أرض جديدة".
وكما جاء فى الكتاب: "الهدف الثاني ذكرى مؤلمة لدى كل المصريين من نكسة مدوية أصابت كرامتهم ونجاحهم فى تنفيذ مخططهم وستكون هناك نكسة أخرى أكثر دويا وفيها ستضيع الأرض المصرية إلى الأبد"، ولخطورة الأمر ولعظمه، عرض مدير المخابرات تقريرا مفصلا على الرئيس جمال عبد الناصر بأبعاد المخطط الإسرائيلى الذي بدأ الإسرائيليون تنفيذه فى سيناء، فأولى الرئيس عبد الناصر لهذا الأمر الخطير اهتمامه الشديد ومتابعته المستمرة نظرا لأنه فى حالة نجاح الإسرائيليين فى تنفيذ مخططهم بسيناء سيؤدى ذلك إلى حدوث تداعيات سلبية كثيرة سيكون لها تأثير خطير على مجريات الصراع الدائر ليس فقط بين مصر وإسرائيل ولكن على الصراع العربي الإسرائيلى.
وأشار الكتاب إلى أنه: "مع قرب حلول الذكرى، أراد الإسرائيليون أن يحققوا نصرا جديدا لتأكيد نصر 67 وكان مؤتمر الحسنة، حيث تمت دعوة ما يزيد على مائة من مشايخ سيناء من جميع القبائل وكبار عائلات القبائل ووفود مندوبين عن وكالات الأنباء العالمية وصحفيين أجانب ومراسلين للإذاعات العالمية المختلفة ومندوب من الأمم المتحدة، أحضر الإسرائيليون مشايخ القبائل من أماكنهم فى سياراتهم العسكرية واستعانت المخابرات الإسرائيلية بمخرج إيطالى لإخراج هذا الحدث التاريخي، كما كان التليفزيون الإسرائيلى يقوم بنقل وقائع هذا المؤتمر وجهزوا المكان على الطريقة البدوية وأقاموا بيوت الشعر وأشعلوا المواقد لإعداد القهوة العربية ونقلت الطائرات العمودية القادة من بئر السبع وأعد مكان مرتفع بوسائد وفرش وثير ليجلس فيه القادة مع شخصية مهمة قبالة الجميع وكاميرات التصوير وأعدت موائد طويلة لجلوس شخصيات مهمة ومميزة، وبعد قليل وصلت طائرة عمودية وهبطت من مكان قريب وأرسل إليها الضباط والقادة لاستقبال هذه الشخصية وعندما ظهر على سلم الطائرة وظهرت العلامة السوداء على عينه علموا أنه موشى ديان، واتخذ طريقه إلى الاجتماع بطريقة متغطرسة وجلس إلى جانب الحاكم العسكري لشمال سيناء وقطاع غزة، وبدأ الحفل بإلقاء كلمة للحاكم العسكري قال فيها: إن هذا المؤتمر عقد لمصلحة شعب سيناء، وإننا ليس لنا مصلحة في احتلال سيناء أو الاحتفاظ بها أن مصلحة أبناء سيناء الاستقرار ولا توجد لهم أى فائدة فى أن تظل بلادهم مسرحا للحروب".