الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة.. حكاية 4 عواصم لمصر أنشأها قادة وولاة في 1000 عام
قال الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف أستاذ الآثار الإسلامية والقبطية بجامعة المنصورة ومساعد وزير الآثار السابق، أن مصر كانت فى عقل وفؤاد القائد العربي العظيم عمرو بن العاص،والذى هام بها حبًا منذ أن زارها وهو فى الجاهلية وقبل دخوله الإسلام،ولم يهدأ له بال حتى أقنع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه بأهمية فتحها،بعد أن عَدد له خيراتها.
جاء ذلك في كتابه"أبرز المعالم الأثرية والسياحية الإسلامية والمسيحية في مصر والعالم"،والصادر عن دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،وجاء فيه أنه تحقق لعمرو بن العاص ما أراد بأن تصبـح مصر حصنًا منيعًا و جزءًا هامـًا من أجزاء الدولة الإسـلامية وذلك بداية من عام 20هـ/ 641م .
ومنذ ذلك التاريخ صارت مصر تخضع لولاة يتم إرسالهم من العاصمة الإسلامية الأولى وهى المدينة المنورة، وكان أول هؤلاء الولاة الصحابي الجليل والقائد عمرو بن العاص، والذى أكمل جهوده بعد إتمام الفتح الإسلامى بإنشاء الفسطاط أول عاصمة إسلامية فى مصر، وكذلك أول مسجد فى مصر وأفريقيا وثالث مسجد فى الإسلام بعد مسجد محمـد"ص"بالمدينة المنورة والكوفة فى العراق.
وكما جاء بالكتاب،من بعدها حَكم مصر سلسلة ثانية من الولاة كان يتم إرسالهم من دمشق التي اتخذها الخلفاء الأُمويين عاصمة لهم منذ عام 38-133هـ/ 658-750م،ثم انهارت دولة الأُمويين استولى العباسيون على الحكم،ونقلوا مقر الخلافة إلى بغداد وأرسلوا إلى مصر ولاة من قبلهم كان من بينهم أبو عون بن يزيد الذي أنشأ مدينة العسكر العاصمة الثانية فى مصر، استمر حكم الولاة من قبل الخلفاء العباسيين لمصر حتى عام 257هـ/ 870 م .
ثم قيض الله لمصر أحمد بن طولون الذى جاء فى بدايته من العراق نائبًا عن والى مصر العباسى باكباك،لكن بن طولون استطاع بحكمته وذكائه الاستقلال بمصر، وأقام دولة مستقلة عُرفت فى كتب التاريخ بإسم الدولة الطولونية نسبة إليه وجعل لها القطائع عاصمتها المستقلة وتُعد العاصمة الثالثة فى تاريخ مصر الإسلامية.
وعلى الرغم من أن دولة الطولونيين كانت قصيرة المدة فى الفترة من عام 257-293هـ/ 870-905م أى حوالى خمس وثلاثون عامًا،إلا أنها أيقظت إحساس المصريين بالاستقلال الذي فقدوه منذ العصر الفرعونى مع نهاية الأسرة الثلاثون .
ثم عاد الـولادة العباسيون مـرة أُخرى لمـدة قصـيرة امتدت منـذ عـام 293-323 هـ/905-934 م، وهى فترة باهتة وليس لها أى مميزات تذكر،سوى الهدم والتدمير إنتقامًا من إستقلال أحمد بن طولون وأبنائه من بعده،وقصر فترة حكم الولاة العباسيين فى الفترة الثانية إنما يدل على ما وصل إليه حال الخلافة العباسية فى بغداد من ضعف وتدهور.
ولهذا إستطاع أحد القادة الماهرين وهو محمد بن طغج الإخشيدي الاستقلال بمصر وتأسيس الدولة الإخشيدية، فى الفترة من عام 323-359 هـ/934-969م ، وهذه الدولة تكاد تكون النسخة الثانية من الدولة الطولونية،فقد كان التشابه بينهما كبيرًا جدًا فى قصر الفترة وتتابع الأحداث وسرعة الإنهيار رغم البداية القوية لكل منهما .
وطبقا للتسلسل التاريخي في الكتاب، جاء هذا الانهيار السريع من الإخشيديين ليعطى الفرصة الذهبية للفاطميين وهم في بلاد المغرب، للاستيلاء على مصر ودخولها بجيش عرمرم بقيادة جوهر الصقلى، الذى قام بإنشاء القاهرة العاصمة الجديدة للفاطميين بمصر والرابعة في تاريخ مصر الإسلامية.
كما قاموا بإنشاء أشهر مسجد فى العالم الإسلامى وهو الجامع الأزهر،الذى أصبح فيما بعد واحدًا من أكبر مراكز العلم والتنوير فى العالم حتى الآن، وقد كان الفاطميون حريصون على جعل مصر تحت سيطرتهم ومقرًا امبراطوريتهم، ونجحوا بالفعل فى الإحتفاظ بمصر لفترة طويلة زادت بقليل على القرنين من الزمان، فى الفترة من 359-567هـ/969-1171م .
ثم استطاع القـائد العظيـم الناصر صـلاح الديـن الأيوبي أن ينشئ دولة الأيوبيين في مصر والشام فى الفترة من 567-648هـ/1171-1250م حَملت خلالها لواء الجهاد ضد الصليبيين القادمين من الغرب الأُوروبى تحت شعار الصليب بحجة حماية بيت المقدس وهم أبعد ما يكون عن ذلك ، ولم يكن هدفهم سوى إحتلال بلاد الشرق والاستيلاء على ثرواته وخيراته، وهو ما حدث بالفعل حتي قيام الدولة الأيوبية التي هزمتهم شر هزيمة.