بشعر أبيض ناعم وبوجه ينبض بالحمرة يجلس «ستيفانو خريستو» جيريجي الأصل، في رحاب صديقه المقرب«ميشيل»، بمركز النادي اليوناني للاحتفال بالعيد القومى لموطنهم الأصلي، لتقترن عيناه بعلم البلدان مصر واليونان في حالة من العشق والبهجة لانتمائه لهذين الموطنين، الذي عاش عمره بين دروبهما، حاملًا عبق تاريخهما المشترك والمترابط.

62 عقدًا من الزمن قضاها "ستيفانو" بمصر، فهو يعتبر من الجيل الخامس من الجالية اليونانية التي لا تزال تقيم بمصر، والتي ظلت متماسكة بوجودها لشعورهم بالانتماء الشديد تجاه هذا الموطن.

يروي خريستو بعيون تملأها الفخر لـ"صدى البلد"، قائلًا: " أنا رجل مصري أصيل ، ومتربي في شبرا وتعلمت في مدارسها وجامعتها، ومش بشوف أي فرق بين البلدين، لكن مصر بلدي هي الأساس".

جاء الجد الأكبر لستيفانو من اليونان إلى مصر في عام 1902 لإنشاء أول مصنع للزبدة والزيوت، ومنذ ذلك الحين ظلت أجيال الجد تتعاقب للعيش بالقاهرة، حتى استمر الجيل الخامس من هذا العائلة بالانتماء إلى هذا الموطن، فأبناء "خريستو " تربوا و اندمجوا بالمجتمع المصري دون أن يشعروا للحظة واحدة بأنهم غرباء عن هذا البلد.
من آن إلى آخر يعبر «خريستو» الستيني البحر المتوسط، لزيارة موطنه الأصلي اليونان ويعاود مرة أخرى إلى بلده مصر التي تربى فيها ، لشعوره بالحنين والشوق إلى دروبها ومنزله القابع بشبرا التي يفتخر بأنه واحد من قاطنيها، بحسب وصفه.

يمتلك ستيفانو عددا من شركات الأغذية أسسها بمصر، ليربط استثماراتها بالبلد الذي نشأ فيه وبين موطنه الأصلي اليونان، لاعتقاده بأن علاقة التاريخ المشترك بين البلدين ستظل قائمة مهما كانت الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية.

بابتسامة توحي بالصفاء يستعيد "ميشيل كوكيدس" مع صديقه المقرب "خريستو" ذكريات الشباب التي واكبوها منذ نشأتهم بمصر، ليمر شريط من الحكايات حفرها الزمن بذهنه، وعشقتها روحه المقترنة بمصر، أمام عينه الزاخرة بتفاصيل حياة أجداده وآبائه.

أسس الجد الأكبر لـ"ميشيل"عائلته اليونانية البسطة في مصر بعد أن سافر من بلده الأصلي إلى القاهرة عام 1890 كمدرب للخيول التي كانت تعد أحد وسائل النقل الهامة في تلك الفترة، لتعيش من بعده ثلاث أجيال متعاقبة حاملة إرث مهنة مؤسس العائلة.
الحب والمواطنة هما الميراث الثمين الذي تركه الرعيل الأول، في وجدان اليوناني الخمسيني ليتوارثه الأبناء والأحفاد، خلال نشأتهم بمنطقة خارجة المطرية التي ولد وتربى فيها ميشيل حتى وصل عمره إلى مشارف الستين.

تدريب الخيل وتعليمه فنون الفروسية، وهو العمل الذي يتقنه "كوكيدس" بعد اكتسب خبرته من اسلافه، مستغلًا أسرار المهنة ليبات من أفضل مدربي الخيول بمصر، حريصًا على تعليم ابنائه نفس المهنة حتى تصبح إرثًا موصول بلا انقطاع.
يرى اليوناني الخمسيني أن مصر دائمًا تعيش في حالة جيدة، حتى لو مرت بظروف صعبة أو قاسية، مؤكدًا أنها ستظل محمية من الله لكون أرضها مقدسة تدمج بين الثلاثة أديان السماوية ، وقدسية مكانتها تحفظها من كل شر.