ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
مدير التحرير
صفاء نوار

وجع القلوب

أحمد نجم

أحمد نجم

الخميس 06/يونيو/2019 - 07:39 م
** وجع القلوب مأساة لا يعرفها إلا من أصيب بها، فإذا أصيب جلد الإنسان سيتحمل الألم، أما إذا أصيب قلبه فلن تكن له القدرة على الحياة . 

فلا يؤذينا إلا من أسكناهم القلب دون عناء، وربما شعر أحدهم بأنه أخذ أكثر مما يتوقع، فأصابه الملل فخرج تاركًا خنجره يكوى الجراح، ولا يستمع أحد سواك لصرختك حين تتمنى عودة الماضى لتتلافى ما يتألم منه قلبك، فأقسى ألم لوجع القلوب حين تشتاق لشخص كنت تظنه أنه أنت ومنك ثم تفاجأ بأنه قد مل منك، ولم يعد يحتاج أن يرى ابتسامتك، لأنه أصبح يتلذذ بألم ووجع قلبك، ويستمتع بصراخ نبضاتك، وجراح اشتياقك، ويتباهى داخله بأنه قائم يتعبد على أنينك، وفى محراب دموعك. 

وجع القلوب إحساس فقده محترفى الخداع الذين اعتقدوا أن الآخر ضعيف الهوى قليل الحيلة، لكنهم لم يعرفوا أننا أحببناهم بصدق وسكنوا فى ما لا يستحقون ، وجع القلوب آنات وصرخات لا يداويها ألا من كان السبب فيها فإن كنت لفظته فتحمل انينك في صمت وقف صلبا فيوما ما سيتلاشي كما تلاشي كل شيء ..

** لا يمكن أن يكون هؤلاء الجبناء بشرًا أو ينتمون لجنس البشر ، هؤلاء الشياطين الذين يحملون الحقد والكراهية لكل من ينتمى لرجال الأمن، سواء من الجيش أو الشرطة دون سبب واضح لنا أو عداء بينهم ، تخيل أنك تجلس فى أمان تحرس قطعة من وطنك ثم تفاجأ برصاصة الغدر تأتيك من نفس جنس وطنك لتقتلك، حينها هل ستندم على أنك تحمى هؤلاء ؟ هل ستلعن اليوم الذى جئت فيه لهذا المكان؟ 

حين تأتى الرصاصة من أخيك فى الوطن دون عداء شخصى بينكما سيكون هذا وجع قلب اكثر .

أذكر أننى عندما زرت ذات يوم صديقا لى وهو احد أبطال قواتنا المسلحة الذى أصيب فى حادث إرهابى أوجع قلبى من مأساته ، عن ثقته فى من كانوا يعيشون بالقرب منه، فتعليمات الحذر والحيطة فى التعامل، لكى لا نؤذى من لا شر فيه خلال اقتراب السيارات من الكمين. ويضيف ولكن حينما اقتربت منا سيارة الغدر بالقرب من الكمين وفتحت نيرانها علينا كنا نردد ليه دا إحنا بنحميكم، ولكن كنا على قدر مسئولية التصدى، وتعاملنا معهم بروح قتالية عالية، وكنا من قبل تعاهدنا على فداء تراب الوطن، وفقدنا عددا بسيطا من رجالنا، وفقدوا شياطين، ولكن ما يوجع القلب هو تساؤل :

لماذا هذا الحقد تجاهنا؟
فنحن نقف فى برد الشتاء القارس وحر الصيف اللاذع لحماية أرضنا من الأعداء وليس من ابناء الوطن الواحد، ما ذنبنا وما علاقاتنا بالحقد والكراهية الذى يملأ قلوبهم ؟
 
قلت لا شيء سوى أنهم ينصاعون دون وعى لجاهل أفتى لهم بقتل رجال الأمن من جيش أو شرطة، لأنهم يعتبرون رجال الأمن مرتدين عن ملتهم، وأنهم جنود الطاغوت كما أفتى بذلك مرصد الشر، فى عدد من الفتاوى التى يصدرها أحد المتشددين مثل أبو جندل الأزدى _وهو عضو لجنة الفتاوى بجماعة التوحيد والجهاد.. يبث سمومه على موقع منبر التوحيد والجهاد عن الحكم فى قتل رجال الأمن، وقال إن القاعدة فى الأصل أن العاملين بجهازى الجيش والشرطة كفرة  حتى يظهر لهم خلاف ذلك، ويزعم أن هذا التأصيل قائم على النص ودلالة الظاهر وليس على مجرد التبعية للبلاد التى لا تحكم بالشريعة، ويضيف فى سمومه أن الظاهر فى أفراد الجيش والشرطة أنهم يتبعون ويطيعون أولياء الشرك، لأنهم العين الساهرة على القانون الوضعى الكافر واتهم رجال الأمن بأنهم مرتدون. 

أيضًا تلك السموم التى يبثها الشيطان العجوز يوسف القرضاوى فى إباحته قتل رجال الأمن، أى خرافات تلك التى يعتقدون فيها، ولكن المأساة أن فينا من ترك أفكار هؤلاء تتغلغل حتى تفشت فيهم دون تصويب أو ردع. فالخطاب الدينى والإعلامى و المؤسسات التربوية مأساة فى تعاملهم مع تلك القضايا، وعند المواجهة تجد أن بعض المصححين للفكر الشيطانى لا يفندون الأفكار بل يلقون الاتهام عامة دون تفصيل لتلك الأفكار، والرد عليها، فيوسف القرضاوى تعرض للشتم والسب دون الرد على فتواه الشيطانية وتفنيدها بالقرآن والسنة ليستقيم الأمر، فشيوخ التبصير بالحقائق تلقى وتتهم الآخر بالجهل بأمور الدين وخيانة الوطن دون أن تتعامل مع نص فتواهم أو ما يدعون، ولهذا يجد هؤلاء المغيبون فى رجال الدين ضعف حجتهم، وعلى الجانب الآخر يجد الطرف الثانى يبث فى عقله سموم بأن النظام كافر ومرتد ويجب مقاومته حسب تفسير ابن تيمية لقتال من لا يطبق الشريعة، أية شريعة يريدون تطبيقها ؟ تلك التى تبيح قتل المسلم دون ذنب ارتكبه، أية شريعة تلك التى تحمل سموم الحقد وحرمان ابن من حنان الأب ، وأم من حضن نجلها، وأخ من سند شقيقه، وأخت من دفء أخيها، أية شريعة تلك التى تبيح إراقة دماء من يحمون أرضنا وعرضنا، أية شريعة تلك التى تزغرد لرصاص يملأ أجساد من يسهرون ونحن نيام، أية شريعة تلك التى تحرم أطفالا من فرحتهم بالأب الذى اغتالته رصاصات الغدر، أية شريعة تلك التى تبيح الانتحار . 

أذكر أننى سألت رجل الأمن العظيم وأنا أعتبره والدى الروحى اللواء فؤاد علام - وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق_ حين كنت أزوره فى منزله واندهشت من قدرتهم على إقناع أحدهم بارتداء الحزام الناسف ليفجر نفسه بنفسه، فقال الرجل متعه الله بالصحة والستر هؤلاء الأشرار يختارون ضحيتهم من صغار السن، ويربونهم على الطاعة، ومن عقب صلاة العشاء للفجر دروس فى محاربة الطغاة، وهم من وجهة نظرهم الحكام يبثون فيهم آيات تحض على القتال، ثم يزيفون الكلام ويبثون فى أنفسهم آيات عن نعيم الجنة للشهداء. 

يؤهلون الضحية للذهاب للحياة وليس للموت، ومن يتراجع مصيره الموت، فأنت ذاهب لتعيش لأنك ستكون مع الشهداء فى جنة الخلد.
 
أيضًا يجب أن تكون الضحية مغيبة العقل ضعيفة الشخصية ليسهل إقناعها بتفجير نفسه ليخلد فى جنة الخلد حيًا، وأعتقد أن هؤلاء قد أخطأنا فى حقهم، فالخطاب الدينى لا يفند مزاعمهم بالنص، لكنه يتعامل من خلال تشويه عام فقط.

لذلك، إذا لم تتكاتف المؤسسات الاجتماعية والتربوية والدينية لإعادة صياغة عقلية هؤلاء والوصول إليهم من خلال تفنيد مزاعمهم لن تختفى ظاهرة الإرهاب وسيستمر وجع القلوب .


ads