ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

في تراجيديا البحث عن إله جديد

محمد أرسلان

محمد أرسلان

السبت 30/نوفمبر/2019 - 12:30 م
دائمًا ما كان الإنسان الضعيف منذ القِدم يبحث عن إله يخرجه من دائرة الخوف من المجهول الذي يراه أو الذي يتخيله، في عالمه الضيق من الوعي والإدراك لما يجري من حوله من ظواهر الطبيعة وكذلك أدواتها، فأقنع نفسه هذا الإنسان الغريب بأن الآلهة تكمن في اللا متناهي من الحواس المادية ولكنه يشعر بوجودها، فراح يعبد الجبال والشمس والهواء والحب والمعرفة والأعاصير... إلخ، ويخشى من آلهة شريرة في نفس الوقت كإله الموت والمرض والحسد... إلخ. تعددت الآلهة عنده حتى بات لا يفارقها وأوصلها للحالة المادية علَّه بذلك يتلمسها ويشعر بها بشكل مباشر، فكان الطوطم الذي كان يعبر عن الإله بشكله الملموس، وكذلك الراية التي كانت تحمل رسمًا مجازيًا لهذا الإله.

مئات الآلاف من السنين عاش الانسان بهذه القناعة البدائية حتى ظهور الديانة التوحيدية وثورة سيدنا إبراهيم على الأصنام وكذلك على البشر الذين كانوا يدَّعون الألوهية من دون الله، وبدأت المرحلة الثانية من تراجيديا البحث عن الإله وكينونته أين تكمن، هل في الأصنام "الطوطم" التي كانوا يعبدونها أم أن الإله في السماء وكل مكان؟
بدأت رحلة سيدنا إبراهيم من مدينة "أورفا 1"، المكان الذي حطم فيه سيدنا إبراهيم الأصنام وجادل "نمرود"، وكان عقابه الحرق وبداية الهجرة نحو الجنوب، بلاد كنعان وسيناء التي كانت مسرحًا لسيدنا موسى وعيسى المسيح، وأخيرًا استقر في بلاد الحجاز التي كانت مكان ظهور خاتم الأنبياء سيدنا (محمد).

من أورفا مرورًا بفلسطين ومصر وأخيرًا بالمدينة ومكة، مدنٌ مقدسة لا يمكن التحدث فيها عن "الله" من دونها.

البداية كانت بتحطيم الأصنام في أورفا على يد سيدنا إبراهيم، وكذلك كانت في فلسطين ومصر على يدي موسى وعيسى المسيح ومكة على يد سيدنا محمد (ص).

وبالرغم من ظهور الإله التوحيدي "الله، الرب" الذي يدعو للمحبة والعدالة والإخلاص بين البشر والذي استمر لبعض الوقت، إلا أن غريزة الإنسان في التملك والسلطة والخلود أوهمته ثانية ليعلن نفسه الإله وإن كان بشكل غير مباشر، وكأن جلجامش عاد من جديد بأسماء متعددة ولكن هدفهم كان وما زال هو هو، البحث عن الخلود والألوهية.

ملحمة جلجامش السومرية - البابلية فيها الكثير من الدروس والعبر لبني الإنسان إن هو أراد أن يعتبر ويقتنع في أن الخلود يكمن في احترام المجتمع ومحبته وحمايته وأساسها في "الكل مع الكل" وليس في "الأنا الفردانية" وليذهب المجتمع إلى الجحيم، المجتمع هو أساس تشكل كل قوة لأي طرف كان ولا يمكن لهذا الطرف أو الشخص أن يكون موجودًا إن هو ابتعد عن المجتمع أو حاربه أو جعل من نفسه إلهً عليه، وما على المجتمع إلا أن يعبدوه.

لا يمكن للإنسان أن يجعل من نفسه إلهًا، خاصة أننا نعيش في القرن الحادي والعشرون بالرغم من التطور التكنولوجي والمعلوماتي والذي أصبح فيه العالم حيزًا صغيرًا ى يمكن لأحد أن يخفي عاهاته ومرضه السلطوي والاستبدادي.

أردوغان الذي أعلن عن نفسه الإله في المنطقة وعلى الجميع أن يعبده وإلا حلَّت اللعنة عليه وعلى "يللي خلفوه"، يعيش الماضي في المستقبل المجهول الذي ينتظره والذي لن يختلف عن مصير نمرود أو فرعون أو غيرهم ممن أوهموا أنفسهم بأنهم من الخالدين.

طبعًا، أردوغان تركيا لا يختلف البتة عن خامنئي إيران ولا عن ترامب أمريكا ولا عن بوتين روسيا، وبكل تأكيد لا يختلف كذلك أردوغان عن الآلهة الصغار إن كانوا في سوريا أو العراق أو لبنان وفلسطين – إسرائيل وغيره من الدول الأوروبية والآسيوية. كل زعيم ورئيس وسلطان يحكم البشر على أنهم عبيد وهو العليم والقادر على كل شيء. الكل يقتل بالشعب وباسماء وحجج شتى ومختلفة بدءًا من الأمن القومي للدولة والسيادة الوطنية للدولة وهيبة الدولة والحدود الوطنية للدولة... إلخ. وكلها متعلق بالدولة التي وصفها ذات يوم هيغل بـ "الإله الذي يمشي على الأرض".

أردوغان الذي يتدخل بكل صفاقة وعنجهية وتكبر في شئون الدول إن كان في سوريا والعراق ومصر والصومال وآخر بدعة كانت في ليبيا، ربما يكون الصنم الأول الذي ينبغي التخلص منه على درب البحث عن إلهٍ جديد ينقذنا من الجحيم الذي نعيشه، وربما تبدأ من بعده تحطيم الأصنام الأخرى الواحد تلو الآخر.

ربما الكرد الآن لوحدهم يسيرون على خُطى سيدنا إبراهيم في تحطيم الأصنام والملوك الآلهة العُراة. معركة كوباني / عين العرب وسري كانيه / رأس العين وعفرين كلها مدنٌ تقع في سهول حرَّان كذلك كانت أورفا.

ربما التاريخ يُعيد نفسه ومن نفس المكان والجغرافيا ليعلن عن ثورة الإنسان ضد أصنام آلهة العصر وزبانيتهم.

المعركة طويلة وهي معركة كلمة الحق ضد سلطان جائر ومتعجرف، وربما يتخللها نار تحرق وهجرة لنشر المحبة في الأطراف بعيدًا عن المركز، معركة سينتصر فيها الانسان الأخلاقي والواعي والحر على الإنسان المتوحش والجاهل والعبد.
Advertisements
AdvertisementS