عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعن رَسُولَ اللَّهِأنه قَالَ: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ ".(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، حديث رقم: (1151)، 2/ 806).والجُنَّة: الوقاية والستر. (التوشيح شرح الجامع الصحيح، 4/ 1412).
يقول
علاء الدين الخازن: "قوله: "الصيام جُنَّة" أي: حصن من المعاصي؛
لأن الصوم يكسر الشهوة فلا يواقع المعاصي"(لباب التأويل في معاني التنزيل،
1/114).
وذكر
الإمام القرطبي: أنكونه جُنَّة يصح أن يكون بحسب مشروعيته أي: ينبغي للصائم أن
يعريه مما يفسده، ومما ينقص ثوابه كمناقضات الصيام، ومعاصي اللسان، ويصح أن
يكونبحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس، ويصح أن يكون بحسب ثوابه.(الكوكب الوهاج
شرح صحيح مسلم، 13/ 114- 115).
قال
صاحب النهاية: "معنى كونه جُنَّة أي: يقي صاحبه ما يؤذيه من
الشهوات"(فتح الباري شرح صحيح البخاري، 4/ 104).
وقيل:
" معناه سترة من الآثام، أو من النار، أو من جميع ذلك"(فتح الباري شرح
صحيح البخاري، 4/ 104).
فالصيام
فريضة فرضها الرحمن، وعبادةكتبها على من آمن به من الأنام، وقاية من النار، وسترة
من كل ما أدى إليها من المعاصي، والذنوب، والشهوات، والآثام؛ ولذا جاء في رواية
الإمام البخاري أَنَّهقَالَ:
"الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ
قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ "(أخرجه
الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم، حديث رقم:( 1894)، 3/ 24).
ومن
ثمَّ كان الصيام جُنَّة من كل ما حرُم على العبد فعله، ومن كل ما نقص به أجر عمله.
جُنَّة
من عقوق الوالدين المحرمبقوله: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ
"(أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الأدب، باب: عقوق الوالدين من
الكبائر، حديث رقم: (5975)،8/ 4-والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الأقضية، باب: النهي
عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه،
أو طلب ما لا يستحقه، حديث رقم: (593)، 3/ 1341).
وجُنَّة
من قول الزور المحرم بما ورد عَنْ أَنَسٍ أنه قَالَ:
سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ
الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ».
(أخرجه
البخاري في صحيحه، كتاب: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، حديث رقم: (2653)،
3/ 171).
وجُنَّة
من قطع الرحم المحرم بقوله: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»
(أخرجه
الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الأدب، باب: إِثْمِ القَاطِعِ، حديث رقم: (5984)،
8/ 5-والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم
قطيعتها، حديث رقم: (2556)، 4/ 1981).
وجُنَّة
من أكل مال اليتيم المحرم بقوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيرًا ﴾(سورة النساء جزء من الآية رقم 10).
وجُنَّة
من الكذب المحرم بقوله: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ
يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا.
وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى
النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ
كَذَّابًا»(أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: {يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] وما ينهى عن
الكذب، حديث رقم: (6094)، 8/ 25 -والإمام مسلم في صحيحه،كتاب: البر والصلة
والآداب، باب: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث رقم: (2607)، 4/ 2012).
وجُنَّة
من إطلاق البصر فيما حرم الله، المحرم بقوله تعالى:﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾(سورة النور جزء من الآية رقم 30)، وقوله:﴿ وَقُلْ
لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾(سورة النور جزء من الآية رقم
31).
وجُنَّة
من الغيبة المحرمة بما رود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أنه
قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى
قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: " إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي
كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا: فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا:
فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ "(أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب:
الأدب، باب: الغيبة، حديث رقم: (6052)،8/ 17-والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الطهارة،
باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث رقم: (292)، 1/ 240).
وجُنَّة
من النميمة المحرمة بقوله: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه،
كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم النميمة، حديث رقم: (105)، 1/ 101).
وجُنَّة
من ســــوء الظـــــــن والتجسس المحـــــــــرمين بقــوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ
إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾(ســــــــــورة الحجرات جــــــــــزء من الآية رقم
12).
وجُنَّة
من الكِبر المحرم بقوله: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ
مُتَضَاعِفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أَلاَ أُخْبِرُكُمْ
بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ»(أخرجه الإمام البخاري في
صحيحه، كتاب: الأدب، باب: الكِبْرِ، حديث رقم: (6071)، 8/ 20- والإمام مسلم في
صحيحه، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها
الضعفاء، حديث رقم: (2853)، 4/ 2190).
وجُنَّة
من إيذاء الجار المحرم بما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّه قال: قال
رَسُولَ اللهِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ
بَوَائِقَهُ»(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: بيان تحريم إيذاء
الجار، حديث رقم: (46)، 1/ 68).
وجُنَّة
من نقض العهود، قال تعالى:﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا ﴾(سورة الإسراء جزء من الآية رقم 34).
وجُنَّة
من الشحناء بين المسلم وأخيه؛ قال رسول الله: " تُفْتَحُ
أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ
لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا،
أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا"(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: البر والصلة والآداب، باب:
النهي عن الشحناء والتهاجر، حديث رقم: (2565)، 4/ 1987).
وجُنَّة
من التطفيف في الكيل والميزان المحرم بقوله تعالى:﴿وَيْلٌ
لِلْمُطَفِّفِينَ-الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ
يَسْتَوْفُونَ-وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ -أَلَا يَظُنُّ
أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾(سورة المطففين من
الآية رقم 1-6).
وجُنَّة
من الغش في البيع والشراء المحرم بما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا،
فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟»
قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ
فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»(أخرجه
الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: قول النبي: «من غشنا فليس
منا»، حديث رقم: (102)، 1/99).
وجُنَّة
من أكل الربا المحرم بقوله تعالى:﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ
إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(سورة البقرة جزء من الآية رقم 275).
وجُنَّة
من أكل أموال الناس بالباطل المحرم بقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍمِنْكُمْ﴾(سورة النساء جزء من الآية رقم29).
فالصائم يصون صيامه عما يفسده من المفطرات، وعما
ينقص ثوابه(شرح سنن أبي داود، 10/ 376)، فلا يكذب، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يعق
والديه، ولا يؤذي جاره، ولا يقطع رحمه، ولا يتكبر، ولا يشهد زورًا؛ ولا يطفف في
الكيل والميزان، ولا يغش في البيع والشراء، ولا يأكل مال اليتيم، ولا يستحل الربا،
ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ولا غير ذلك من المحرمات والشهوات، قال:«الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَهُوَ حِصْنٌ مِنْ حصونِ الْمُؤْمِنِ،
وَكُلُّ عَمِلٍ لِصَاحِبِهِ، وَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (أخرجه
الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم: (7608)، 8/ 133).
ويقول
ابن العربي: "إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار
محفوفة بالشهوات"(التوشيح شرح الجامع الصحيح، 4/ 1413).
وأيضًا غير الصائم لا يفعل، إلا أن الصائم لما كان صومه سترة له من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة، أو يضعفها،كانتتلك الأيام المعدودات فرصة مباركة، ومنحة من الله له لتدريب نفسه على ترك المعاصي، وتجنبها، والإقبال على الخيرات؛ حتى يصل إلى الهدف المنشود من الصيام الذي حدده رب العزة في كتابه فقال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(سورة البقرة الآية رقم 183).