الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

ما بعد القاهرة.. أردوغان إلى أين؟


لطالما كان التاريخ محفزًا لنا على إدراكه كما يريده هو وليس كما نأمل نحن أن نفهمه ونوجهه حسب أهوائنا ومصالح حكامنا وزعماؤنا المنتصرين. والبحث في التاريخ بكل تأكيد لا يكفي أن نقرأ سطوره كما هي مخطوطة لنا من قِبل كتّاب السلاطين والخلفاء والزعماء، بل ينبغي علينا بعض الأحيان قراءة ما بين السطور لأنها تخفي الكثير من المعلومات التي ربما لم يستطع كاتبها أن يخطها. 

القاهرة التي كانت عصية على الاحتلال العثماني طيلة فترة احتلالها لكل المنطقة، ولربما في فترة ما استطاع العثمانيون الهمج أن يسيطروا عليها شكلًا ويسرقوا منها خيراتها وفنها وحرفييها لإشباع نهمهم وجشعهم البربري، لكن في الجوهر كانت القاهرة عصية عليهم وهذا ما أعطاها نوعًا من شبه الاستقلال عنهم. 

الآن وبعد عقد من الزمن على تم تسميته بالربيع العربي والذي حاول فيه أردوغان ان ينفذ ما هو مطلوب منه في المنطقة، في نشر الفوضى والاقتتال والتهجير والخراب والدمار والأهم القضاء على ثورات الشعوب وتحويلها لثورات مضادة لها، جاء وقت الفصل في تغيير هذه الأداة التي قامت بما هو مطلوب منها ربما على أكمل وجه.
 
استدارة أردوغان للقاهرة لنيل شهادة حسن سلوك ربما تكون آخر ورقة يلعب لها من أجل استمرار سلطته ولو سنوات قليلة والوصول لمئوية انهيار العثمانية، أو أنها مرحلة إعادة ترتيب الأوراق من جديد بعد كل الخسائر التي مني بها، إن كان في البحر المتوسط وليبيا وشمالي العراق وسوريا بشكل عام.

أردوغان بعد أن عبث في سوريا والعراق وليبيا وأرمينيا ونشر الخرب فيها والقتل والدمار والاغتصاب والتهجير إلا أن كل ذلك لم يكن ليشفي غليله وجشعه، لأن عينه كانت دائمًا على القاهرة والتي كان يعتبرها الجائزة الكبرى إن هو استطاع احتلالها. لكن كافة محاولاته باءت بالفشل بعد أن تم عزل أو تنحية "مرسي" الذي كان يعتبره أردوغان عكازه (حصانه) الذي كان يراهن عليه المدعوم من الإخوان.

كل جنون أردوغان وصريخه ووعيده والذي لم يسلم منه أحد، وصل الآن لمرحلة جاعلًا من نفسه الحمل الوديع الذي يبحث عن السلام في المنطقة والاستقرار وكأن شيئًا لم يحصل ويحدث. وأن كل هذا الدمار والاحتلال والتشريد للمجتمعات والشعوب كانت عبارة عن لعبة أو كاميرا خفية أو فلم رعب وانتهى. وأنه حان وقت عودة المشاهدين الممثلين إلى حياتهم الطبيعية وليبقى ما كان حديث بعض العجائز على أطلال المدن المهدمة وجثث ممثلي الكومبارس. 

لكن هل يمكننا قبول ذلك وفق حسابات مصالح بعض الأطراف والدول التي تسعى لتغيير أدوات ووسائل اللعبة التي لم تنتهِ بعد، والتي لديها مشروع تم توكيله لأردوغان لتنفيذه وتسليمه على أكمل وجه تحت مسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير/الجديد. الانتخابات الأمريكية الأخيرة أفرزت معها جملة من المتغيرات في الداخل الأمريكي وكذلك في الخارج. وربما يكون انتقال من عجرفة وفوضى المرحلة الترامبية نحو سكون وهدوء المرحلة البايدينية وأنه لا جديد في أهداف قوى الهيمنة ولا تغيير فيها، وأن كل ما يحصل هو تغيير في الأدوات لا غير.

فإن كان أردوغان يبحث عن الاستقرار وأن يراجع سياساته العدوانية وتوصل لحقيقة مفادها أنه ليس هكذا تُبنى الصداقات مع دول الجوار، ليس بالوعيد والتهديد بل بقبول الآخر كما هو وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول والبلدان، هذا من حيث المنطق بكل تأكيد.

المتتبع لمسيرة أردوغان السلطوية منذ صعود نجمه وحتى الآن يدرك بكل معنى الكلمة أنه لا منطق عند هذا الرجل، وأن جُلَّ هدفه هو أن يكون الخليفة الأوحد في المنطقة وكل ما تبقى ما هم سوى ولاة عنده ويأتمرون بأمره وينفذون ما يشاء ويريد. هذا إن كان في الداخل التركي أو في المنطقة ككل.

ربما تكون الاستدارة نحو القاهرة لها بعض الفوائد لأردوغان من حيث تقليل الصدمات التي كان يتلقاها وكذلك الخسائر السياسية. ولربما تُحسن صورته ولو بنسبة قليلة جدًا، هذا إن افترضنا أن للشعوب ذاكرة السمك وتنسى بسرعة ما عاشته ورأته بأم أعينها. لكن للتاريخ موقفه بنفس الوقت أيضًا وهو الذي لا ينسى أي شيء مطلقا وأن التاريخ يضع كل شخص في مكانه المناسب وإن تم تزوير التاريخ وكتابته وفق منطق الحكام المنتصرين.

إن كان أردوغان بالفعل يسعى لتحسين صورته ونشر الاستقرار بدلًا من الخراب والدمار، بكل تأكيد ينبغي عليه البدء من الداخل التركي الذي حوله إردوغان إلى سجن كبير لكل من يعارض سياساته الاستعلائية والاقصائية. فلم يسلم منه الكردي ولا التركي ولا الأرمني ولا العربي الذي يعش في الداخل التركي، كلهم متهمون وخونة بنظر أردوغان وحاشيته. 

في نفس توقيت الاستدارة نحو القاهرة والبحث عن الاستقرار، كان القضاء الأردوغاني التركي قد عمل على إصدار دعوى غلق حزب الشعوب الديمقراطية المعارض الوحيد في تركيا وكذلك إسقاط الحصانة البرلمانية عن البرلمانيين من نفس الحزب، واعتقال الآلاف من مؤيدين ومناصري هذا الحزب، وبنفس الوقت الاستدارة نحو القاهرة تتم في نفس فترة احتلال عفرين وتشريد أهلها وجلب الغرباء مكانهم وتوطينهم مكانهم. 

فهل الاستدارة نحو القاهرة هي مصالحة مع الخارج وعداء مع الداخل؟ أم أن استدارة أردوغان ستتجه نحو الداخل أيضًا ويعتذر للشعب عمّا لاقوه من اجحاف بسبب تلك السياسات، كما أنه يعتذر ولو ضمنيًا للخارج وما اقترفت يداه.

ربما يحاول أردوغان تجزئة الفوضى التي نشرها وفق حساباته الشخصية ويحقق بعضًا من المطالب في تحجيم دور عناصر الاخوان المسلمين الذين احتضنهم عنده. ولكن بكل تأكيد لتتوج هذه الاستدارة لصالح القاهرة ينبغي النظر إلى فوضى أردوغان كسلة واحدة وعدم الانخداع بالأقوال المنمّقة من السلطان وحاشيته من الأدوات الذين انتهى دورهم. فالشروط التي وضعتها القاهرة هي أساس استقرار المنطقة بكل تأكيد ولا يمكن الفصل بينها. اخراج المرتزقة الذين جلبهم إلى ليبيا وكذلك انهاء احتلاله للمدن والمناطق في سوريا والعراق وعدم تدخله في شؤون الدول الداخلية وإيقاف عربدته في البحر المتوسط، كل هذه الحقائق التي أفصحت عنها القاهرة هي أساس عودة تركيا لطبيعتها في المنطقة.

وبكل تأكيد أن الاستقرار في الداخل التركي له تأثيراته المباشرة على المنطقة بشكل عام ولا يمكن فصل ذلك عما يجري في الخارج. المشكلة الرئيسية التي يعاني منها الداخل التركي هي القضية الكردية التي باتت فوبيا بالنسبة للنظم الحاكمة في تركيا بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم الحزبية إن كان من العدالة والتنمية أو الحركة القومية أو من الشعب الجمهوري. الضغط على تركيا لتحسين صورتها الداخلية سيكون بداية الانطلاق نحو الخارج وليس العكس. فما أهمية الاستقرار الخارجي والمصالح المتبادلة بين الدول إن كانت الأوضاع في الداخل التركي غير مستقرة ويخللها الاقتتال والصراعات. وعلى اعتبار ان القضية الكردية ليست قضية داخلية لأي دولة، بل هي شأن إقليمي بكل تأكيد وأن دول المنطقة لن تستقر حتى يتم حل هذه القضية المؤجلة وفق حسابات القوى الإقليمية والدولية. 

الاستدارة نحو القاهرة ينبغي أن تكون لها صدىً كبير نحو الاستدارة نحو عفرين وإنهاء احتلالها وإرجاعها كما كانت قبل الاحتلال، حينها يمكن القول إن أردوغان بالفعل يبحث عن الاستقرار في المنطقة، وإلا أن التقرب وفق حسابات المصالح فقط، لن يغير من استمرارية اللعبة ولو بعد حين.

وفي النهاية بكل تأكيد أن عفرين ستتحرر وكذلك سري كانية/ رأس العين وكرسي سبي/ تل أبيض وشنكال/سنجار وغيرها من المدن والمناطق المحتلة من قبل زبانية ومرتزقة أردوغان، رغم ما ستكون من نتائج الاستدارة الاردوغانية نحو الخارج، ليبقى الاستقرار الداخلي هو المحدد الرئيس لأي توازنات جديدة في المنطقة.